Imprimer


✥ السِّنْكسَار ✥
✥ آباء المجمع المسكوني الرابع أو المجمع الخلقيدوني: تحتفلُ كنيستُنا المقدّسة اليوم بذكرى مجمعها المسكوني الرابع المنعقد عام 451م في مدينةِ خلقيدونية بحضورِ 630 أبٍ من آباء الكنيسةٍ جمعاء. يُعتبر من أهمّ المجامع، إذ إنّ الكنيسة قد أكدّت في قراراته إيمانها بوحدة شخص المسيح وبـ"الطبيعتين في المسيح"، الطبيعة الإلهيّة والطبيعة الإنسانيّة. وقد نجم عن هذا المجمع انشقاقٌ أدّى إلى ابتعاد الطوائف الشرقيّة التالية: القبطيّة والأرمنيّة والسريانيّة عن الشركة مع الكنيستين الرومانيّة والبيزنطيّة. واليوم، ثمّة مساعٍ بين هذه الطوائف كافّة لإعادة الوحدة فيما بينها نتج عنها تحقيق بعض الخطوات في هذا النحو. بعد قانون الوحدة -الذي وضعه لاهوتيّون من الإسكندرية وأنطاكية- حصل اختلاف حول بعض التعابير الواردة فيه (راجع: المجمع المسكوني الثالث)، وذلك أن ثمة بعضا من الاسكندرانيين المتشددين رفضوا الاصطلاحات الأنطاكية، ولا سيما اصطلاح "طبيعتين" الذي كان يوازي عندهم (الاسكندرانيين) لفظة "اقنومين" (شخصين). وكانوا يفضلون عليها تعابير أخرى وردت عند كيرلّس مثل عبارة "طبيعة واحدة" في قولته الشهيرة: "طبيعة واحدة للإله الكلمة المتجسد"، غير أنهم، احتراما لكيرلّس، لم يجهروا بآرائهم قبل رقاده (+444). أبرز القائلين بـ "الطبيعة الواحدة" كان افتيخيوس، وهو رئيس دير في القسطنطينية يضم أكثر من 300 راهب، يدعمه ديوسقورس بطريرك الإسكندرية.
⁜ الأسباب الداعية لعقد المجمع: فسبب عقد المجمع المسكوني الرابع فهو انحراف افتيخيوس في ما يخصّ سرّ تأنّس ابن الله. فقد قال افتيخيوس إنّ طبيعتَي المسيح، الطبيعة الإلهيّة والطبيعة الإنسانيّة، اتّحدتا وصارتا بعد تأنّسه طبيعة واحدة، إذ ابتلعت الطبيعة الإلهيّة الطبيعة الإنسانيّة. وبرّر افتيخيوس قوله هذا مستنداً إلى عبارة استعملها القدّيس كيرلّس الإسكندريّ (+444): "الطبيعة الواحدة المتجسّدة للإله الكلمة". وهنا، لا بدّ من توضيح معاني بعض الاصطلاحات المستعملة في ذلك العصر حتّى يتسنّى لنا الإحاطة بأسباب الانشقاق، ذلك أنّ سوء الفهم اللغويّ بين مسيحيّي تلك الأيّام (وبخاصّة في القسطنطينيّة وأنطاكية والإسكندرية)، كما اتّضح في ما بعد، قد ساهم في تشتّت الكنائس وتنابذها. إذاً عرف افتيخيوس تعاليم كيرلّس غير انه سقط في المصيدة التي نصبها ابوليناريوس، إذ انه كان يقرأ تعاليم ابوليناريوس المزوّرة -التي استعملها كيرلس- ويعتبرها من الآباء الأولين. آمن افتيخيوس بوجود طبيعتين للمسيح قبل التجسد (ربما يكون قد شايع اوريجنس الاسكندري في نظرية الوجود الأزلي للأرواح)، غير انه لم يعترف سوى بطبيعة واحدة بعد التجسد معتقدا بأن اللاهوت قد امتص الناسوت الذي ذاب في اللاهوت كما تذوب نقطة عسل عندما تسقط في محيط من الماء.
⁜ كيرلس وتعبير الطبيعة الواحدة: لا ريب أنّ القدّيس كيرلّس كان يقصد بلفظ "طبيعة" (فيسيس باليونانيّة) الشخص الواحد، إذ كان يقول إنّ يسوع هو "طبيعة واحدة" مكوّنة من عنصرين، عنصر إلهيّ وعنصر إنسانيّ، أي إنّ يسوع هو "كائن فرد"، "شخص واحد"، إله وإنسان معاً. أمّا في أنطاكيّة والقسطنطينيّة، فكان لفظ "طبيعة" يعني الخصائص التي تحدّد الكائنات وتميّزها بعضها عن بعض. ففي هذا المعنى تتميّز الطبيعة الإلهيّة عن الطبيعة الإنسانيّة بالأزليّة والقدرة اللامتناهية من جهة والخلق من العدم من جهة اخرى. وهذا ما درج إلى اليوم عن لفظ "طبيعة"، أي إنّ الخصائص والميّزات التي يتمتّع بها أيّ كائن هي التي تحدّد طبيعته.
⁜ مجمع القسطنطينية 448: في مجمع عُقد في القسطنطينية العام 448 رئسه فلافيانوس رئيس أساقفتها، قدّم اسابيوس أسقف مدينة "دورله" شكوى مكتوبة -قبلها فلافيانوس- ضد تعاليم افتيخيوس يتّهمه فيها بالهرطقة. وكان اسابيوس قد اطّلع على مجلد من ثلاثة أجزاء عنوانه "الشحاذ" (والمقصود افتيخيوس)، وضعه ثيودوريتوس أسقف قورش (الذي سيدين المجمع المسكوني الخامس كتاباته ضد كيرلس)، وقام بنشره في العام 447، والذي على أساسه اعتبر أن تعاليم افتيخيوس هي غير أرثوذكسية. أثبت هذا المجمع فساد رأي افتيخيوس وجرّده من رتبته الكنسية والرهبانية وقطعه عن الشركة. بيد أن افتيخيوس، الذي لم يرتدع، رفع قضيته إلى مجامع رومية والإسكندرية وأورشليم لإنصافه. مما جعل أن ديوسقوروس بطريرك الاسكندرية اتخذ، في مجمع محلي، قرارا اعترف فيه بدرجات افتيخيوس الكهنوتية وأعاده إلى ديره. غير أن لاون بابا رومية -على عكس قرار الإسكندرية- وافق على أعمال مجمع القسطنطينية (448)، وأصدر رسالة مجمعية شهيرة دان فيها هرطقة افتيخيوس وشرح قضية أقنوم الكلمة الإلهي الواحد في طبيعتين.
⁜ مجمع أفسس 449: من المعروف أن افتيخيوس كان مقرَّبا من الإمبراطور ثيوذوسيوس بسبب كريسافيوس وزيره، لأن افتيخيوس كان عراب كريسافيوس في المعمودية، وعليه فقد استطاع إقناع الإمبراطور بدعوة مجمع آخر للبحث في تعاليمه، وتمّ ذلك في افسس في السنة 499 . رئس هذا المجمع بطريرك الإسكندرية ديوسقوروس الذي تمكن من فرض رأيه على الآباء ال 135، وذلك بمؤازرة أساقفة مصر المتحيزين لافتيخيوس وقوة سواعد زمرة من الرهبان المتعصبين يتزعمهم برسوم السوري. برر المجتمعون افتيخيوس من كل التهم التي أُلصقت به، وحرموا بعض الأساقفة مناوئيه مثل فلافيانوس بطريرك القسطنطينية -الذي رقد بعد أيام معدودة وهو في طريقه إلى منفاه متأثرا بجراحاته بسبب الضرب الذي انهال عليه في إحدى جلسات المجمع -ودمنوس الإنطاكي وثيودوريتس القورشي. استطاع موفدو روما الهرب إلى بلادهم حاملين الاستدعاء من ضحايا هذا المجمع إلى لاون الكبير الذي سارع إلى عقد مجمع في رومية ودعا مجمع افسس بـ"المجمع اللصوصي". حاول أسقف رومية مرارا عديدة إقناع الإمبراطور ثيوذوسيوس بعقد مجمع مسكوني في ايطاليا، غير أن محاولاته كلها باءت بالفشل.
⁜ إلتئام المجمع: في السنة 450 رقد الإمبراطور ثيوذوسيوس الثاني فخلفته بوليخاريا شقيقته التي وافقت على الزواج من مركيانوس قائد جيشها لمشاركتها بإدارة المملكة شريطة أن تبقى عذراء. أرجع مركيانوس الأساقفة المنفيين واستجاب لطلب البابا لاون، فدعا إلى مجمع في مدينة "خليقدون" اعتبرته الكنيسة الشرقية والغربية المجمع المسكوني الرابع. التأم مجمع خليقدونية في السنة 451 وشارك فيه 630 أسقفا، أبطلوا جميعهم مجمع افسس اللصوصي، ودانوا هرطقتي افتيخيوس ونسطوريوس معاً، وحرموا ديوسقوروس أسقف الإسكندرية لتمنُّعه عن المثول أمام المجمع، على الرغم من دعوته ثلاث مرات إلى الحضور، وتاليا لتحيّزه وعدم أخلاقيته اللذين أظهرهما في مجمع افسس. قابل الآباء بحرارة رسالة لاون التي حال ديوسقوروس -في مجمع افسس (449)- دون قراءتها، وفيها يُفرّق لاون بوضوح خالص بين الطبيعتين – يشرح بوضوح وجود الطبيعتين في الأقنوم الواحد. وأعربوا عن إيمانهم بالابن الواحد "الكامل من حيث الوهيته والكامل من حيث إنسانيته، الإله الحقّ والإنسان الحقّ، واعترفوا "باتحاد الطبيعتين اتحادا جوهريا بلا انقسام ولا انفصال ولا اختلاط... وبأنه اتحاد حقيقي في الجوهر والتركيب"، فـ "في المسيح اقنوم واحد مؤلَّف من طبيعتين متميّزتين: اللاهوت والناسوت". ومن أهمّ ما ورد في هذا التحديد: "إنّ المسيح هو نفسه تامّ في الألوهة وتامّ في البشريّة، إله حقّ وإنسان حقّ. إنّه مساوٍ للآب في الألوهة ومساوٍ لنا في البشريّة، شبيه بنا في كلّ شيء ما خلا الخطيئة. قبل كلّ الدهور وُلد من الآب بحسب الألوهة، وفي الأيّام الأخيرة هو نفسه، لأجلنا ولأجل خلاصنا، وُلد من مريم العذراء و الدة الإله ، بحسب البشريّة. واحدٌ هو، وهو نفسه المسيح، ابن الله، الربّ، الذي يجب الاعتراف به في طبيعتين متّحدتين دون اختلاط ولا تحوّل ولا انقسام ولا انفصال. وهو لم ينقسم ولم ينفصل إلى شخصين، بل واحدٌ هو، وهو نفسه الابن الوحيد، الإله الكلمة، الربّ يسوع المسيح". في هذا التحديد الخلقيدونيّ أعاد الآباء التشديد على دستور الإيمان. كما شدّدوا على أمرين هامّين في ما يختصّ بشخص يسوع المسيح: الأمر الأوّل هو وحدة الشخص في السيّد المسيح، وهذا ما تدلّ عليه إشارة "واحدٌ هو، وهو نفسه"؛ فيسوع هو شخص واحد، وهو نفسه كلمة الله الأزليّ المولود من الآب قبل كلّ الدهور والمولود من السيّدة مريم في البشريّة. والأمر الثاني هو محافظة كلّ طبيعة من الطبيعتين على خصائصها في وحدة الشخص. فالكلمة صار بشراً واتّخذ الطبيعة البشريّة كلّها ما خلا الخطيئة، دون أن يتخلّى عن طبيعته الإلهيّة. برّأ مجمع خليقدونية ثيودوريتس القورشي وإيفا الرهاوي وبعض الأساقفة الآخرين، وذلك بعد تأييدهم قطع نسطوريوس واعترافهم بان مريم هي والدة الإله وإنكارهم تقسيم الابن الوحيد إلى اثنين. وسن المجمع ثلاثين قانونا، أشهرها القانون الثامن والعشرون المتعلق بالمساواة بالكرامة بين أسقفي روما القديمة وروما الجديدة (القسطنطينية)، وحرر أورشليم من سلطة القيصرية وأعطاها المرتبة الخامسة بين الكنائس الكبرى.
⁜ الخاتمة: مع أنّ هدف الآباء الخلقيدونيّين هو بتّ مسألة وحدة الشخص في المسيح مرّة وإلى الأبد، مع التشديد على الطبيعتين فيه، لم ينجح المجمع في لمّ شمل كلّ الكنائس على الاعتراف بتحديداته العقائديّة، وذلك بسبب استعماله تعبير "الطبيعتين في المسيح" الذي يعني، عند الكنائس الشرقيّة ذات التقليد القبطيّ والأرمنيّ والسريانيّ وجود "شخصين في المسيح"، وهذا بالضبط ما رفضه الخلقيدونيّون رفضاً باتّاً، بتأكيدهم وحدة الشخص في المسيح. لذلك، شاع عن تلك الكنائس أنّها مونوفيزيّة، أي الكنائس "القائلة بالطبيعة الواحدة". لقد تبيّن بعد حوالي ألف وخمس مئة سنة أنّ الخلاف بين الكنائس الخلقيدونيّة، أي الأرثوذكسيّة والرومانيّة، والكنائس غير الخلقيدونيّة (فهي ليست مونوفيزيّة لأنّها لا تقول بالطبيعة الواحدة، لذلك من الأفضل استعمال تعبير "غير خلقيدونيّة")، أي القبطيّة والأرمنيّة والسريانيّة، هي خلافات على معاني الألفاظ ومدلولاتها، ولم يكن البتّة خلافاً على العقيدة. فكلّ الكنائس المذكورة أعلاه تؤكّد ألوهة المسيح وبشريّته، وتؤكّد أيضاً وحدة الشخص في المسيح. رجاؤنا كبير بأن ترى أعيننا دفن هذا الخلاف بين الكنائس والتعييد للوحدة.
⁜ اختار آباءُ الكنيسة لإنجيلِ اليوم بمناسبة هذا المجمع قولَ المسيح التالي: "أنتم نورُ العالم". كلمةُ نورِ العالم كلمةٌ كبيرةٌ وهامةٌ وعظيمةٌ. دون نورٍ لا تنتفع أعيننا من الرؤية، الرؤيةُ تحتاجُ إلى نورٍ، هنالك الشمسُ وهنالك الكواكبُ وهنالك الأنوارُ الساطعةُ بوساطة الكهرباء كلّها تعطي نورٌ وكلّ هذا آتٍ من أنّ الله يوم خلقَ العالم خلقَ فيه نور. ولكن النور المقصود اليوم هو نورٌ إضافيٌّ استثنائيٌّ يكشفٌ لنا أنّ الإنسانَ الذي يُرى بنورٍ يشعُ منه هو إنسانٌ يحملُ الله، يحملُ المسيحَ، وبداخله نورُ الألوهة التي أعطت النورَ وهي التي نحتاجها اليوم لتكون النورَ، من أجل أن نرى من خلالها بعضنا البعض. يقول الرب يسوعُ متابعاً لآيته الأولى "أنتم نور العالم" "هكذا ليضئ نوركم قدام الناسِ ليروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" نحن أدواتٌ أيضاً نساعدُ الآخرين بالنور الذي نحمله لكي يتواصلَ مع مصدره الذي هو الله الآب فيمجدونه ويسبحونه وهكذا نحيا كعائلةٍ حقيقيةٍ، الله في السماء أبونا وربّنا وملهمنا ونحن كأعضاء لأسرته بعضنا مع بعض نتحابب ونخدم ونلبي طلبات بعضنا بعض بقلوبٍ نقيةٍ وأيادٍ نظيفة.
على هذه الصورة نكون قد حققنا إرادة الله. الإنجيلُ هذا الذي سمعناه وُضع من أجل وصفٍ لهؤلاء الآباء 630 الذين شكلوا المجمع الخلقيذوني الرابع أي أنهم كانوا حقاً نوراً للعالم ونحن بحسب تعليمهم الذي علّموه، الذي أعطونا إياه والذي نسير على سنّته هو آتٍ من الاستنارةِ الحقيقيةِ من ذاك النورِ الذي ألهم عقولهم وقلوبهم لكي يخطوا لنا العقيدة المسيحيّة والطريقَ نحو الملكوت، فلنكن مقتدين بهم وليكونوا هم دائماً قدوةً لنا من خلال المسيح الساكن فيهم ليسكن فينا.
⁜ القديسة أوفيمية والمجمع الرّابع: لمّا اجتمع الآباء الستمائة والثلاثون في المجمع المسكوني الرابع (خلقيدونيا 451م)، بهمّة الإمبراطورين التقيين مرقيانوس وبلخاريا، في البازيليكا الفسيحة للقديسة أوفيمية ، كان سعي الآباء إلى دحض الآراء الهرطوقية للأرشمندريت أفتيخيوس المدعوم من رئيس أساقفة الإسكندرية ديوسكوروس. والتماساً لحكم قاطع من الله في هذا الشأن اقترح البطريرك القديس أناتوليوس أن يحرّر الفريقان كتاباً لكل منهما يضمّنه دستور إيمانه الخاص به وأن تُجعل الوثيقتان في الصندوق الذي يضمّ جسد القديسة أوفيمية. فلمّا وُضع الكتابان على صدر القديسة خُتم الصندوق وانصرف الآباء إلى الصلاة. بعد ثمانية أيام عاد الجميع إلى المكان. فما أن فتحوا الصندوق حتى اكتشفوا أن القديسة كانت تضمّ كتاب الإيمان الأرثوذكسي إلى صدرها فيما وُجد كتاب الهراطقة عند قدميها. وثمّة رواية قديمة أخرى لما حدث مفادها أنّ الآباء جعلوا الوثيقتين في الصندوق، للحال مدّت القديسة يدها وأخذت كتاب الإيمان القويم وقبّلته وسلّمته إلى الآباء. وفي الرسالة التي كتبها آباء المجمع للقديس لاون الأول الرومي قالوا: "إنّ القديسة الشهيدة أوفيمية إذ اقتبلت منّا التحديد العقيدي، قدّمته إلى عريسها بوساطة الإمبراطور والإمبراطورة باعتباره الإيمان الذي تدين به، فثبّتت باليد واللسان المرسوم الموقَّع من الجميع".
✥ القديس الشهيد بطرس الجديد أسقف كريت: كسروا ساقيه حتى الموت لإيمانه بالمسيح أو لتمسكه بإكرام الايقونات .
✥ القديس الشهيد هيراكليوس: استشهد ضربا بالهراوات.
✥ القديسان الشهيدان اكويلا وهيلاريون: قضيا للمسيح رجما .
✥ القديس أونسيموس العجائبي (القرن 4 م )‏: ولد في قرية كاريني القريبة من قيصرية فلسطين بعدما ظهر ملاك جاء و عمد والديه. هجر البيت العائلي منذ فتوته. قيل أسس ديرا في منغنزيا . أعطت له موهبة صنع العجائب. شفا والديه من عمى أصابهما من كثرة ما بكيا فراقه . أمضى أيامه في الأعمال المرضية لله و رقد بسلام في الرب.
✥ القديس أكيلا الرسول: ولد القديس أكيلا في البنطس في آسيا الصغرى (تركيا)، وكان يهوديا. كان يقيم مع امرأته بريسكلا في روما، الا ان الامبراطور كلوديوس اصدر امرا بطرد اليهود من مدينة روما، فذهب اكيلا وزوجته الى مدينة كورنثوس حيث التقيا بالرسول بولس حوالى عام 25م. آمن اكيلا وامراته بالمسيح على يد بولس، فتبعاه. وكان اكيلا يعمل في صناعة الخيام، فاقام الرسول بولس عنده (اعمال الرسل 18 : 1-3). بعد ان مكث الرسول بولس في كورنثوس مدة سنتين سافر الى افسس مع بريسكلا واكيلا "واما بولس فلبث ايضا اياما كثيرة ثم ودع الاخوة وسافر في البحر الى سورية ومعه بريسكلا واكيلا بعدما حلق رأسه في كنخريا. لانه كان عليه نذر. فاقبل الى افسس وتركهما هناك" (اعمال الرسل ‪18: 18-19‬). في افسس بدأ اكيلا وزوجته يخدمان هناك ويبشران بكلمة الله فجذبا الفيلسوف ابلوس الاسكندري الى الايمان بالرب يسوع "ثم اقبل الى افسس يهودي اسمه ابلوس، اسكندري الجنس، رجل فصيح مقتدر في الكتب... فلما سمعه اكيلا وبريسكلا اخذاه اليهما وشرحا له طريق الرب باكثر تدقيق" (اعمال الرسل 18: 24-26). كابد بريسكلا واكيلا الاخطار من اجل البشارة بالانجيل كما يشهد الرسول بولس هو عنهما في رسالته الى اهل رومية: "سلموا على بريسكلا واكيلا العاملين معي في المسيح يسوع، اللذين وضعا عنقيهما من اجل حياتي، اللذين لست انا وحدي اشكرهما بل ايضا جميع كنائس الامم" (رومية 16: 3-4).
لا نعرف متى ولا اين ولا كيف رقدا بالرب. تعيّد الكنيسة الـمقدسة للقديس أكيلا في 14 تموز، وتعتبره أحد السبعين رسولا .
✥ القديس البار استفانوس الروسي (+ 1406 م)‏ : من كييف. ترهّب وغادر موطنه حين كان الروس يعانون من الاحتلال الليتواني. بحث عن مكان موافق لحياة السكون. وصل إلى موسكو. أعطاه الأمير الكبير يوحنا الثَّانِـي أن يقيم على بعد ثلاثين فرسخًا من لافرا القديس سرجيوس رادونيج في makhrichtchi. نسك طويلا ثُمَّ أنشأ ديرًا للثالوث. بقي على علاقة حميمة بالقديس سرجيوس وكان يزوره ليسائله في الروحيّات. كان صارما جداً مع نفسه. يعيش في فقر كامل من جهة أمور هذا الدهر. كان صالحا ووديعا. لا يأمر أحدًا ويترك لله أمر الحكم في شركته. واجه صعوبات مع جيرانه، وإذ لم يشأ أن يدخل في خصام مع أحد توجّه إلى فولوغدا حيث أسّس ديرًا آخر في avnejsk. لكنه عاد إلى ديره الأول بناء لطلب الأمير الكبير. رقد بسلام في الرب سنة ١٤٠٦ م فيما كان تلميذاه كاسيانوس وغريغوريوس يهتمّان بدير avnejsk. جرت برفاته عجائب جمّة ولا زالت.
✥ القديس الشهيد يوحنا المروزي (القرن 11 م )‏: لا نعرف عنه سوى أنّه من مدينة مرو الرّوز في خراسان التي تتقاسمها اليوم إيران وأفغانستان وتركمانستان. ويبدو أنّ المسلمين قتلوه في القرن الحادي عشر للميلاد لتمسّكه بالإيمان بالمسيح. وقد أحصته كنيسةخوارزم الروميّة في عداد قدّيسيها. ورد ذكره في روزنامة الكنيسة الأنطاكية في القرن الحادي عشر، كما ذكره أبو ريحان محمد بن أحمد البيروني في كتابه " الآثار الباقية عن القرون الخالية ".
✥ القديس الشهيد يوستوس الرومي (القرن 1 م )‏: إنّه القدّيس يوستوس من مدينة رومية. كان جنديّاً في فوج النورمايّين، خاضعاً لأوامر القاضي العسكريّ كلوديوس. حدث في يوم كان راجعاً فيه، من حملة ضدّ البربر، أنّه دخل في انخطاف ورأى صليباً كالبلّور خرج منه صوت علّمه أسرار الإيمان بالمسيح. ... وهكذا وبعدما عاد إلى رومية من حملته تلك، قام بتوزّيع كلّ خيراته على الفقراء. وعلى الرغم من أنّه لم يبق له شيء، فإنّه كان ممتلئاً فرحاً لا يوصف إذ كان في حوزته كنز الإيمان بالمسيح. لمّا علم كلوديوس بهداية عميله دعاه ونصحه أن يفكّر مليّاً، في قراره. لكن وبعد أن وجده ثابتاً في تصميمه أرسله إلى الحاكم مغنانتيوس حاملاً له رسالة يشرح له فيها الوقائع. عمد هذا الأخير إلى استجواب القدّيس فوجده لا يتزعزع في اعترافه بالمخلّص فأمر بجلده. ثمّ غطّوا رأسه بقبّعة معدنيّة حامية ومدّوه على مشواة. وبمعونة الله، صبر على كلّ أعمال التعذيب التي أُنزلت به ممجّدًا الله شاكراً إياه على نعمه. أخيراً ألقوه في أتون محمّى، فلفظ أنفاسه دون أن تحترق شعرة من رأسه.
✥ القديس دوسديديت الانكليزي (+ 664 م)‏: أول أنكلوساكسوني يتولّى كرسي كانتربري كرئيس أساقفة. أسّس ديرًا للرجال وديرًا للنساء. لا نعرف عنه سوى القليل. رقد في الطاعون في العام 664م. دثفن في كنيسة القدّيسين بطرس وبولس التي صارت، فيما بعد، كنيسة القدّيس أوغسطينوس كانتربري.
✥ ابونا الجليل في القديسين يوسف رئيس أساقفة تسالونيكي (+832 م )‏: القدّيس يوسف هو الأخ الثاني للقدّيس ثيودوروس الستوديتي. ولد حوالي العام 761م. تلّقى تعليمًا ممتازًا. بتأثير خاله القدّيس أفلاطون ترهّبت أمّه وأخته في دير في القسطنطينية فيما انصرف هو ووالده وأخواه وآخرون من العائلة إلى ساكوذيون في جبل الأوليمبوس البيثيني، وهو ملكية عائليّة، فحولوه ديرًا. ازدهرت الشركة بالنعمة الإلهيّة والعناية الحكيمة للقدّيس أفلاطون، وإذ كان يوسف غيورًا في الأتعاب النسكيّة استبان كثيودوروس ثان. غير أن سلام رجال الله اهتزّ عندما طلّق الأمبراطور امراءته الشرعية واقترن بنسيبة لثيوكتيستا والدة القدّيس يوسف في العام 795م. فاحتجّ الرهبان باسم تراث الكنيسة والقوانين المقدّسة وردوا كلّ محاولات الملك لمصالحتهم. وإذ امتنعوا عن تحية الأمبراطور، خلال زيارته لمنابع المياه المعدنيّة الحارة في بروسا، عمد الأمبراطور إلى محاصرة الدير بالعسكر وحجز العديد من الرهبان الذين كان بينهم أفلاطون وثيودوروس ويوسف، في حصن الكاتار. أمّا وثيودوروس ويوسف فجُلدا ورُحلا إلى تسالونيكي مع أبيهما وعشرة رهبان. وقد تمكّنت ثيوكتيستا من الوصول إلى السجن وضمدّت جراح والديها كما انضمّت إليهما في الطريق إلى المنفى وشجعتهما على مكابدة المحن من أجل الحقّ. وبعد رحلة شاقة دامت 36 يوم سيرًا على الأقدام وصل في عيد البشارة إلى تسالونيكي حيث استقبلهما الحاكم ورئيس الأساقفة توما بلياقة، ولكن لم يطل بهما المقام هناك حتّى وصل أمر ملكيّ بفصل المعتقَلين أحدهما عن الآخر. ورغم ذلك تمكّنا من التواصل بالرسائل. لم تدم فترة الأسر طويلاً، فإثر سقوط قسطنطين السادس واستلام أمّه زمام السلطة أُطلق سراح المنفيين وعادا إلى ساكوذيون، لم يجدا السلام في الدير لأنّ البلاد كانت عرضة لغزوات البربر، فتحوّلا إلى القسطنطينة واستقرّا في دير الستوديون المهجور، وعاش يوسف في طاعة أخيه منشغلاً في تأليف الأناشيد التي بقي الكثير منها في كتب الليتورجيا. ثم إنّ ترقية القدّيس نيقيفوروس من الرتبة العامية إلى الكرامة البطريركيّة، بأمر الأمبراطور، عادت فأجّجت صراع الستوديّين مع السلطة من أجل الدفاع عن حقوق الكنيسة والشرع الكنسيّ. فقد عارض ثيودوروس وأفلاطون الانتخاب وسجنا بضعة أيام، إلى أن اعترفا بالبطريرك، وحدث بعد ذلك مشاكل بين الأمبراطور ورهبان دير الستوديتي فسجن مرّة أخرى أفلاطون وثيودوروس في دير القدّيس ماما ورُحّل يوسف إلى جزيرة لأنّه أقام قدّاسًا في دير ستوديون دون إذن البطريرك. بعد وفاة الأمبراطور نيقيفوروس وصل الأمبراطور ميخائيل الأول إلى سدّة الحكم فسمح بمصالحة الستوديّين والبطريرك نيقيفوروس. وأصبح ثيودوروس مستشار الأمبراطور واستردّ يوسف كرسيّه الأسقفي على تسالونيكي. ومع عودة حرب الإيقونات إلى الواجهة بقيادة الملك لاون الأرمنيّ انتُزع الأسقف يوسف من رعيّته وتلقّى أمرًا بالإعتزال في ساكوذيون حيث أمكنه إقامة مراسلات مع أخيه الذي نُفي إلى ماتوبا. وفيما بعد رحّل إلى جزيرة في عمق الشتاء وكابد هناك مشاق النفي بفرح بسبب المراسلة مع أخيه، ولمّا نقل إلى حصن البيزون حيث بقي إلى رقاد الملك لاون الأرمنيّ. ولمّا تبوّأ الملك ميخائيل الثاني العرش أصدر عفوًا عن كلّ المعترفين فأمكن ثيودوروس ويوسف أن يعودا من المنفى تلك السنة. غير أنّ دخول ستوديون بقي محظّرًا عليهما. وإذ ألزمتهما غزوة عربيّة أن يغادرا محل إقامتهما، توجّها إلى جزيرة برانكيبو. لم يكن القدّيس يوسف موجودًا عندما رقد أخوه في العام 826م. وإذ عادت الهجمة على الإيقونات فاستعرت في عهد الأمبراطور ثيوفيلوس، نفي يوسف إلى بلدة بعيدة في تساليا وحُرم حتّى مما هو ضروري. هناك أسلم روحه لله في العام 832م. وقد قيل أن جسده تُرك دون دفن في مكان مشجّر رطب. ثمّ بعد ذلك بإثني عشر عامًا نجح القدّيس نوكراتيوس في إيجاد بعض بقاياه التي نُقلت باحتفال مهيب إلى القسطنطينية مع رفات القدّيس ثيودوروس. وقد وضعت رفات الأثنين في مدفن القدّيس أفلاطون في كنيسة ستوديون.
✥ القديس نيقوديموس الآثوسي الجبل المقدس (+1809 م )‏: وُلد سنة 1749م في جزيرة ناكسوس في أرخبيل السيكلاذيس. أعطاه أبواه التقيّان، في المعمودية، اسم نيقولاوس وأحالوه على كاهن القرية ليتعلّم القراءة. كان ينصرف عن اللهو إلى القراءة. امتاز بذكاء حاد وذاكرة غير عادية سمحت له بتسجيل كل ما يقرأ للحال وترداده بلا خلل ساعة يشاء. أُرسل إلى إزمير في عمر السادسة عشرة ليتتلمذ على المعلّم إيروثاوس في المدرسة الكتابية. أحبّه الجميع، الأساتذة والتلاميذ، لوداعته وأخلاقه الحميدة. بالإضافة إلى الآداب والعلوم المقدّسة تلقّن اللاتينية والفرنسية وأضحى خبيراً في اليونانية القديمة، الأمر الذي سمح له بملء المهمة التي أعدّه الله لها وهي جعل ذخائر تراث الكنيسة في متناول الشعب اليوناني الأرثوذكسي المقموع. بعد أربع سنوات من الدراسة في إزمير، وبعدما ذبح الأتراك اليونانيّين في تلك الأنحاء، إثر الحملة الروسية، اضطرّ نيقولاوس للعودة إلى وطنه ناكسوس. هناك التقى الرهبان غريغوريوس ونيفون وأرسانيوس المنفيِّين من الجبل المقدّس بسبب النزاع حول الكوليفا، أي ما إذا كانت إقامة الجنانيز للراقدين جائزة أيام الآحاد أم لا. لقاؤه الرهبان حرّك في نفسه محبّة الحياة الرهبانية ودفعه إلى تعاطي النسك والصلاة الداخلية. أخبروه أنّ في هيدرا رجل فضيلة فذّاً درِباً في عقيدة آباء الكنيسة، الميتروبوليت مكاريوس الكورنثي. توجّه إلى هناك كما يشتاق الأيِّل إلى ينبوع المياه، فوجد لدى الأسقف القدّيس إتفاقاً وإيّاه في الفكر لجهة الضرورة الملحّة لنقل منابع التراث الكنسي. وتعرّف أيضاً إلى الناسك الشهير سيلفستروس القيصري الذي كان يعيش في قلاّية منعزلة على مسافة قليلة من المدينة. هذا أثنى ثناء كبيراً على طيِّبات حياة التوحّد حتى قرّر نيقولاوس ألاّ يتأخّر بعدُ في حمل النير الليّن العذب للمسيح، فتزوّد برسائل توصية من سيلفستروس وأبحر إلى جبل آثوس (1775م). دخل أول ما دخل إلى دير ديونيسيو حيث اتّشح، بسرعة، بالثوب الرهباني واتّخذ اسم نيقوديموس. سُمِّي سكرتيراً وقارئاً وما لبث أن صار نموذجاً لكل الإخوة في حميّة الصلاة والنسك والخدم التي كان يتمِّمها من دون تذمّر. انقضت سنتان قبل أن يكلّفه القدّيس مكاريوس الكورنثي، في زيارة للجبل المقدّس، بمراجعة وإعداد الفيلوكاليا للنشر، وهي الموسوعة الأرثوذكسية للصلاة والحياة الروحيّة. اعتزل الراهب الشاب في قلاّية في كارياس إتماماً لهذا العمل اللائق بمعلّمي الهدوئية، الذي يتطلّب معرفة عميقة بعلم الحياة الداخلية. وإلى الفيلوكاليا اهتمّ بمجموعة "الأفرجاتينوس" و"البحث في المناولة المتواترة" الذي أنشأه القدّيس مكاريوس وزاده القدّيس نيقوديموس غنى. وما إن نجز العمل حتى عاد قدّيسنا إلى دير ديونيسيو. لكن معاشرة آباء الفيلوكاليا والممارسة المركّزة لصلاة يسوع حرّكا فيه الرغبة في التفرّغ للأمرين. فلمّا سمع بالقدّيس بائيسي فليتشكوفسكي (28 تشرين الثاني) الذي كان يرعى ألفاً من الرهبان في مولدافيا في العمل المقدّس، عمل إنزال الذهن إلى القلب، حاول أن ينضمّ إليه. ولكن، بتدبير من الله، حالت عاصفة دون بلوغ قصده. فلمّا عاد إلى جبل آثوس، وإذ كان متحرّقاً للتفرّغ للصلاة في السكون، لم ينزل في ديونيسيو بل اعتزل في قلاّية قريبة من كارياس ثمّ في إسقيط كابسالا التابع لدير بندوكراتور، في منسك على اسم القدّيس أثناسيوس كان ينسخ فيه المخطوطات سدّاً لحاجاته المعيشية. وإذ انكبّ، ليلاً نهاراً، ولا ما يلهيه، على الصلاة وتأمّل الآباء القدّيسين ارتقى، بسرعة، درجات السلّم الروحيّة. في تلك الأثناء تمكّن الشيخ أرسانيوس البليوبونيزي، الذي عرفه في ناكسوس، من دخول آثوس فأتى واستقرّ في الإسقيط. إذ ذاك تخلّى نيقوديموس عن وحدته، عن طيب خاطر، لينتفع من حسنات الطاعة، وصار له تلميذاً. والبكاد أنجزا بناء قلاّية جديدة حتى قرّرا، إثر اضطراب سكونهما، أن يعتزلا في جزيرة سكيروبولا القاحلة (1782). ولكنْ أمام صعوبات توفير المعيشة انتقل أرسانيوس إلى موضع آخر تاركاً نيقوديموس وحده في الجزيرة. هناك، بناء لطلب ابن عمّه، الأسقف إيروثاوس أوريبوس أنجز عمله الشهير: "كتاب النصائح الطيِّبة"، في شأن حفظ الحواس والأفكار وعمل الذهن. كان قد بلغ الثانية والثلاثين. نقصته الكتب والمدوّنات الشخصية وما سوى ذلك إلاّ كنز ذاكرته الهائلة ومناجاته المتواترة لله. قدّم، في هذا العمل، بشكل مكثّف، كل العقيدة الروحية للآباء القدّيسين مزوّدة بعدد فائق من الشواهد المرفقة بمراجعها بدقّة. وفيه علّم كيفية خلاص الذهن (النوس) من قيد ملاذ الحواس بغية الارتقاء، بالصلاة الداخلية (أو صلاة القلب)، إلى الملاذ الروحية للمعاينة. خلال هذه الإقامة في الجزيرة القاحلة، واجه القدّيس هجمات عنيفة للأبالسة. حاولت طرده من هناك. ومع أنّه كان في فتوّته خوّافاً ولا يجرؤ على النوم والباب مقفل، فإنّه، لما أتت أرواح الظلمة، فيما بعد، تتهامس عند نافذته، لم يرفع رأسه عن الكتاب إلاّ ليضحك من مساعيهم العاجزة. وبعد سنة من الإقامة في سْكيروبولا عاد نيقوديموس إلى آثوس واقتبل الإسكيم الكبير وأقام في قلاّية القدّيس ثيوناس في كابسالا. وقد رضي أن يتّخذ تلميذاً هو إيروثاوس. انكبّ، أكثر من ذي قبل، على الكتابة وتعليم الإخوة الذين جاؤوا ليقيموا في الجوار طلباً للانتفاع من علمه. وخلال إقامة القدّيس مكاريوس، مرّة أخرى، في الجبل المقدّس، أَسند إلى نيقوديموس مهمة العناية بنشر ترجمة الأعمال الكاملة للقدّيس سمعان اللاهوتي الجديد. في مقدّمة هذا العمل، التي تتضمّن تعاليم في غاية السمو حول المعاينة الإلهية، يُبرز القدّيس نيقوديموس أنّ مثل هذه الكتب ليس للرهبان وحسب بل لعامة المؤمنين أيضاً لأنّ المسيحيّين، كل المسيحيّين، مدعوون إلى السلوك في الكمال الإنجيلي. بعد ذلك وضع موجزاً للمعرّف وجعل، في مجموعة فريدة من نوعها، قوانين لوالدة الإله، على الألحان الثمانية ولكل يوم من أيام الأسبوع، لتُرتل في نهاية صلاة الغروب أو صلاة النوم في الأديرة. وبالإضافة إلى المؤلّفات الليتورجية العديدة الأخرى، نشر عملين كتابيّين مقتبسين من كتب روحية غربية شهيرة: "الحرب اللامنظورة" لِلورنزو سكوبولي" و"التمارين الروحية" اللذين عرفا نجاحا مرموقاً. لم يكن هذان العملان نقلاً عادياً بل أصلحهما واقتبسهما وأدخل فيهما تعليماً لا غبار عليه في شأن التوبة والنسك وصلاة يسوع. في ذلك الحين تسبّب الكتاب حول المناولة المتواترة في ردود فعل عنيفة بين الرهبان الذين دافعوا عن العادة المخالفة للقوانين المقدّسة والتقاليد الرسولية، أن يُصار إلى مساهمة القدسات ثلاث أو أربع مرّات في السنة. وإذ اعتُبر الكتاب بدعة جديدة أدانه البطريرك بروكوبيوس. ولكن لمّا صُيِّر نيوفيطوس السابع (1789م) بطريركاً محلّه رُفع الحُرم. اعتُرف بجماعة الكوليفا أنّهم المدافعون الحقيقيون عن التقليد. رغم ذلك بقيت تُهَمٌ باطلة سمجة تُطلق، في بعض الأوساط الرهبانية، على القدّيس نيقوديموس. هذه ذهبت إلى حدّ اتّهامه بإخفاء المناولة المقدّسة في سكوفيّته (لباس الرأس) ليتسنّى له أن يساهم القدسات ماشياً. لكن القدّيس آثر حفظ الصمت لا ينتظر الإنصاف من غير الله، ذارفاً الدمع من أجل هداية الذين هم في الضلال في شأن ذكر الراقدين يوم الأحد. وجاء إلى القدّيس نيقوديموس الراهبُ الكاهن أغابيوس البليوبونيزي وعرض عليه أن يراجع مجموعة القوانين الكنسيّة التي أعدّها ليوسِّعها ويعلِّق عليها. أما القدّيس، الذي كان يعتبر الحياة والانضباط في الكنيسة أثمن من حياته، فانكبّ على العمل بعناد وجمع أربع خطّاطين ليُنجز العمل في الوقت المناسب مسمّياً إيّاه "دفّة المركب" أو "البيذاليون". اشتغل ليل نهار على مدى سنتين، يجمع ويصحِّح النصوص المنحولة أو المتضاربة، مقارناً ما بين قوانين المجامع والآباء القدّيسين ومراسيم الشرع البيزنطي، مُغنياً العمل، بخاصة، بعدد كبير من الحواشي التي تُبرز المعايير المؤكّدة لتطبيق قوانين هذه المجموعة على حياة الكنيسة. فلمّا نجز العمل وأُرسل إلى القسطنطينية استدعى الانتظار طويلاً ليحظى بالبركة البطريركية، ثمّ أُحيل على الكاهن الراهب ثيودوريتوس، الذي كان في رومانيا، ليُنشَر استناداً إلى موافقة كل الرهبان الآثوسيّين عليه. لكن هذا الأخير، لمّا كان مناهضاً لجماعة الكوليفا والمناولة المتواترة، فقد أدخل في البيذاليون تنقيحات مباشرة مسيئاً إلى فكر المؤلّف وتقليد الكنيسة في آن. فلمّا ظهر الكتاب في لايبزيغ سنة 1800م، ودرى القدّيس به حزن حزناً عميقاً وهتف: "كان خيراً لي أن أُطعن بسيف في قلبي من أن يُضاف أو يُحزف أي شيء من هذا الكتاب!" وقريباً من تلك الحقبة، نُهي إلى القدّيس نيقوديموس أنّ مخطوط الأعمال الكاملة للقدّيس غريغوريوس بالاماس (14 تشرين الثاني) الذي جمعه بتعب جزيل ووضع له حواشيه بناء لطلب القدّيس أثناسيوس باروس (24 حزيران) والميتروبوليت لاون هليوبوليس، أقول نُهي إليه أنّ هذا المخطوط اختطفه النمساويون من المطبعة في فيينا وأفسدوه بحثاً عن رسائل للدعاية الثورية وجّهها نابوليون بونابارت إلى اليونانيّين. هذا الخبر جلب لقلبه حزناً وجعله يذرف الدمع فيّاضاً، لا فقط للوقت الذي استدعاه هذا العمل الذي لا يُعوَّض، ولكن، بخاصة، لخسارة مثل هذا الكنز. بعد أن لزم القدّيس نيقوديموس، لبعض الوقت، بمعيّة سلفستروس القيصري، قلاّية القدّيس باسيليوس الذي سبق أن عاش فيها القدّيس ثيوفيلوس المفيض الطيب (8 تموز)، استعاد حياة التوحّد وتابع عمله الرسولي. وإذ لبس الأسمال وانتعل حذاء غليظاً اعتبر نفسه آخر الكل. لم يعرف الطهي البتّة واغتذى بالرز المسلوق وبالعسل المخفّف بالماء بالإضافة إلى بعض الزيتون والفول المنقوع. وعندما كان الجوع يضنيه كان يذهب إلى جيرانه ليأخذ بعض الطعام لديهم. لكنّه كثيراً ما كان ينسى أن يأكل مأخوذاً بالكلام والنقاش. لم يكن يُعرف له نشاط سوى اثنين: الصلاة والدرس. في أية ساعة من النهار أو الليل كان يوجد منحنياً على كتاب أو على أدوات الكتابة أو حانياً ذقنه على الجزء الأعلى من صدره لينزل ذهنه إلى أعمق أعماق قلبه ولكي يدعو بحميّة الإسم المقدّس ليسوع. كان قد صار كلّه صلاة. بهذا الاتحاد بالمسيح، جعلت النعمة الإلهيّة في قلبه كل كنز الكنيسة. عندما كان يكتب كان يُؤخذ لدرجة أنّه جاءه يوماً راهب زائر فوجده يعمل فجعل له في فمه قطعة من الخبز الطري. ولما عاد إليه مساء وجده في ذات وضعية الجلوس وقطعة الخبز في فمه وكأنّه لم يلاحظ شيئاً. هذا وقد راجع قدّيسنا شرحاً مسهباً لرسائل القدّيس بولس بحسب القدّيس ثيوفيلاكتوس البلغاري وكذلك شرحاً للرسائل الجامعة، كما وضع شرحاً للأوديات الكتابية التسع بعنوان "بستان النعمة" وترجم شرح المزامير لأفتيميوس زيغابينوس. وكما، في كل أعماله الأخرى، تخطّى نيقوديموس، بأشواط، عمل المترجم البسيط. فإنّه إذ اتّخذ لنفسه قاعدةً ونسقاً أحد الشرّاح التقليديّين، كان يستكمله بحواش وافرة ملؤها شهادات آباء الكنيسة في شأن أعداد من الموضوعات. وكنبع ماء لا ينضب، نشر أيضاً مختارات من سير القدّيسين القدامى (Néon Eklogion) وأخبار الشهداء الجدد التي هي مجموعة سير الشهداء الجدد بقصد دعم إيمان المسيحيّين المقهورين الرازحين تحت النير العثماني، والتي بفضلها أمكن أعداداً من المرتدّين عن الإيمان أن يهتدوا وينضمّوا من جديد إلى الكتائب الممجّدة للشهداء. وإذ كان مهتماً بتربية شعب الله وضع أيضاً موجز الأخلاق المسيحية الحميدة (Christoètheia). يومياً كل المجروحين بالخطيئة أو بالإرتداد عن الإيمان، كانوا يسرعون الخطى إلى ناسك كابسالا متجاهلين الأساقفة والمعترفين، طلباً للدواء وعزاء النفس. وليس فقط رهبان، بل أيضاً عامة مؤمنين قدموا من بعيد حتى شكا القدّيس عجزه عن الإقبال، كما يرغب، على الصلاة وتمنّى الانتقال، من جديد، إلى موضع آخر قاحل مجهول. لكن المرض حال دون تحقيقه هذه الرغبة. ومع أنّه لم يكن قد بلغ السابعة والخمسين ولكن أضناه النسك وتعب الكتابة والتأليف الكافي لملء مكتبة، فإن التعب نال منه إلى درجة أن مجرد زيادة الطعام لم تعد تكفيه. لذا غادر منسكه في كابسالا ليقيم لبعض الوقت في قلاّية أحد أصدقائه في كارياس، ثمّ لدى أحد جيرانه وكان راهباً رسّاماً. في ذلك الحين راجع، على مدى سنتين، مجموعة السنكسار. ثمّ عاد إلى قلاّيته في كابسالا حيث انخرط في تفسيره الغني لقوانين الأعياد وللأنافاثيميات التي تُرتّل كل أحد، في صلاة السحر. وقد أكمل عمله هذا الأخير، الذي استبان فيه كل علمه اللاهوتي ونسغه الروحي، فيما كان يعاني من فقر الدم، وبعدما فقد أسنانه وصار شبه أصمّ (1808م). في تلك الأثناء أدّت وشايات في حقّ أثناسيوس باروس وثلاثة من القائلين بـ "الكوليفا" إلى إدانة غير محقّة من قِبَل البطريرك غريغوريوس الخامس. بإزاء ما حصل لم يستطع القدّيس نيقوديموس أن يأخذ على عاتقه مهمّة الدفاع عنهم واكتفى بتحرير اعتراف إيماني. وما لبثت حالته الصحّية أن ساءت. ثمّ بعدما اشتغل قليلاً في شرح الأنافاثيميات صرّح: "سيّدي، خذني إليك فإنّي تعبٌ من هذا العالم!" من يوم إلى يوم كان الفالج يمتدّ في أعضائه، وكان يردّد صلاة يسوع بصوت عال معتذراً من الإخوة أنّه لم يعد قادراً على حفظها في السرّ. ثمّ بعدما اعترف وساهم القدسات أخذ بيديه رفات القدّيس مكاريوس الكورنثي وبرثانيوس سكورتيوس وقبّلها بدموع وقال: "لقد رحلتما إلى السماء وترتاحان في الفضائل التي حصدتماها على الأرض وأنتما تذوقان مجد الربّ يسوع. أما أنا فأعاني بسبب خطاياي. أيضاً أنتما أبواي أتوسّل إليكما أن تتشفّعا بي لدى السيّد ليرأف بي ويؤهّلني للموضع الذي أنتما فيه". وأثناء الليل هتف: "ها أنا أموت، أموت، إليّ بالقدسات!" فبعدما ساهمها صار في هدوء غير عادي. وإذ جعل يديه على صدره بشكل صليب أجاب الرهبان الذين سألوه إذا كان في الراحة: "لقد أدخلتُ المسيحُ فيّ فكيف لا أكون في الراحة؟". عند بزوغ الفجر، في 27 تموز 1809، استودع السيّد نفسه. أحد الحاضرين هتف: "كان خيراً أن يقضي ألف مسيحي نحبهم اليوم من أن يغادرنا نيقوديموس!" ولكن إذا كان النجم قد أفل فإنّ أشعّته لم تكفّ عن إضاءة الكنيسة وكتبه باقية معيناً لا ينضب للتعليم والتهذيب والحثّ على ملء الحياة في المسيح.