• 1

  • 2

  • 3

  • 4

Copyright 2019 - Propriété AGOAP - 2014

✥ القديس ديمتريوس المفيض الطّيب (+303م):


إن ما نعرفه عن القديس ديمتريوس قليل، ومع ذلك فإن له في وجدان الكنيسة ذكراً حسناً وإكرامه طبّق الآفاق. ولد ونشأ في مدينة تسالونيكي، وقد قيل من أبوين تقيين عدما ثمرة البطن طويلاً إلى أن افتقدهما الله بعدما استغرقا في الصلوات والنذور ومحبة الفقير والصبر. ويشاء التدبير الإلهي أن يعبر الإمبراطور مكسيميانوس بمدينة تسالونيكي عائداً من حرب خاضها ضد البرابرة السكيثييين، شمالي غربي البحر الأسود. ولما كان والد القديس ديمتريوس قائداً عسكرياً أنشاه على ضبط النفس والجهاد والأمانة، كما على التقى ومحبة الفقير. ولما بلغ الأشدّ تلقى من العلم قدراً وافراً ثم انخرط في الجندية كأبيه وأضحى قائداً عسكرياً مرموقاً. وقد أقامه الإمبراطور مكسيميانوس على مقاطعة تساليا، وقيل قنصلاً على بلاد اليونان. هذا فيما تذكر مصادر أخرى أنه كان شماساً غيوراً وحسب. ولكن ‏غلبت عليه صورة الجندي. كانت العادة أن تُقام الاحتفالات ويرفع البخور للملك والآلهة وتُقدّم الذبائح في المناسبة، فقد أعطى الملك توجيهاته بإعداد العدّة في هذا الشأن في المدينة. واغتنم بعض حسّاد ديمتريوس الفرصة فقاموا وأسرّوا للإمبراطور حقيقة مَن كان قد أولاه ثقته انه لا يتساهل بشأن المسيحيين وحسب، كما أوصى جلالته، بل اقتبل هو نفسه المسيحية وأضحى مذيعاً لها. فاغتاظ الإمبراطور وأرسل في طلب عامله. فلما حضر استفسره الأمر فاعترف ديمتريوس بمسيحيته ولم ينكر، فجرّده الإمبراطور من ألقابه وشاراته وأمر بسجنه ريثما يقرّر ما سيفعله به، فأخذه الجند وألقوه في موضع رطب تحت الأرض كانت تفوح منه الروائح الكريهة. أيقن ديمتريوس أن الساعة قد أتت ليتمجّد الله ‏فيه فأخذ يعد نفسه بالصلاة والدعاء. كما أوعز إلى خادمه الأمين لوبوس الذي كان يزوره في سجنه بتوزيع مقتنياته على الفقراء والمساكين. وما هي سوى أيام معدودات حتى أرسل الإمبراطور جنده إليه من جديد فطعنوه بالحراب حتى مات. ويقال أن السبب المباشر لتنفيذ حكم الإعدام السريع هذا كان تغلّب الشاب المسيحي نسطر على لهاوش، رجل الإمبراطور، في حلبة المصارعة. فقد سرى أنه كان لديمتريوس ضلعاً في ذلك، فيما ظن الإمبراطور أن ما حصل كان بتأثير سحر هذا المدعو مسيحياً. ويقال إن خادم ديمتريوس، لوبّس، أخذ رداء معلمه وخاتمه من السجن بعدما غمسّه بدمه وإن الله أجرى بواسطتهما عجائب جمّة. وبقي كذلك إلى أن قبض عليه الجند هو أيضا وقطعوا هامته. أما رفات القدّيس فأخذها رجال أتقياء سراً ودفنوها. وقد أعطى الله علامة لقداسة شهيده أن طيباً أخذ يفيض من بقاياه ويشفي الكثيرين من أمراضهم، مما جعل الكنيسة تسميه بالمفيض الطيب. يذكر أن رائحة الطيب ما زالت تعبق بين الحين والحين من ضريحه إلى اليوم. وضريحه مودع في كنيسة (بازيليكا) القدّيس ديمتريوس في قلب مدينة تسالونيكي حيث يعتبر شفيع المدينة ومنقذها من الشدائد والضيقات. وهي لا زالت إلى اليوم تُقيم له احتفالات خاصة تشمل المدينة بأسرها كل عام وعلى مدى أسبوع كامل. يُذكر أن الإمبراطور يوستنيانوس (483-565 م) رغب، في زمانه، في نقل رفات القدّيس ديمتريوس إلى القسطنطينية فحضره صوت أبى عليه ذلك.

✥ القدّيس العظيم في الشّهداء ديمتريوس المفيض الطّيب (+303م): إن ما نعرفه عن القديس ديمتريوس قليل، ومع ذلك فإن له في وجدان الكنيسة ذكراً حسناً وإكرامه طبّق الآفاق. ولد ونشأ في مدينة تسالونيكي، وقد قيل من أبوين تقيين عدما ثمرة البطن طويلاً إلى أن افتقدهما الله بعدما استغرقا في الصلوات والنذور ومحبة الفقير والصبر. ويشاء التدبير الإلهي أن يعبر الإمبراطور مكسيميانوس بمدينة تسالونيكي عائداً من حرب خاضها ضد البرابرة السكيثييين، شمالي غربي البحر الأسود. ولما كان والد القديس ديمتريوس قائداً عسكرياً أنشاه على ضبط النفس والجهاد والأمانة، كما على التقى ومحبة الفقير. ولما بلغ الأشدّ تلقى من العلم قدراً وافراً ثم انخرط في الجندية كأبيه وأضحى قائداً عسكرياً مرموقاً. وقد أقامه الإمبراطور مكسيميانوس على مقاطعة تساليا، وقيل قنصلاً على بلاد اليونان. هذا فيما تذكر مصادر أخرى أنه كان شماساً غيوراً وحسب. ولكن ‏غلبت عليه صورة الجندي. كانت العادة أن تُقام الاحتفالات ويرفع البخور للملك والآلهة وتُقدّم الذبائح في المناسبة، فقد أعطى الملك توجيهاته بإعداد العدّة في هذا الشأن في المدينة. واغتنم بعض حسّاد ديمتريوس الفرصة فقاموا وأسرّوا للإمبراطور حقيقة مَن كان قد أولاه ثقته انه لا يتساهل بشأن المسيحيين وحسب، كما أوصى جلالته، بل اقتبل هو نفسه المسيحية وأضحى مذيعاً لها. فاغتاظ الإمبراطور وأرسل في طلب عامله. فلما حضر استفسره الأمر فاعترف ديمتريوس بمسيحيته ولم ينكر، فجرّده الإمبراطور من ألقابه وشاراته وأمر بسجنه ريثما يقرّر ما سيفعله به، فأخذه الجند وألقوه في موضع رطب تحت الأرض كانت تفوح منه الروائح الكريهة. أيقن ديمتريوس أن الساعة قد أتت ليتمجّد الله ‏فيه فأخذ يعد نفسه بالصلاة والدعاء. كما أوعز إلى خادمه الأمين لوبوس الذي كان يزوره في سجنه بتوزيع مقتنياته على الفقراء والمساكين. وما هي سوى أيام معدودات حتى أرسل الإمبراطور جنده إليه من جديد فطعنوه بالحراب حتى مات. ويقال أن السبب المباشر لتنفيذ حكم الإعدام السريع هذا كان تغلّب الشاب المسيحي نسطر على لهاوش، رجل الإمبراطور، في حلبة المصارعة. فقد سرى أنه كان لديمتريوس ضلعاً في ذلك، فيما ظن الإمبراطور أن ما حصل كان بتأثير سحر هذا المدعو مسيحياً. ويقال إن خادم ديمتريوس، لوبّس، أخذ رداء معلمه وخاتمه من السجن بعدما غمسّه بدمه وإن الله أجرى بواسطتهما عجائب جمّة. وبقي كذلك إلى أن قبض عليه الجند هو أيضا وقطعوا هامته. أما رفات القدّيس فأخذها رجال أتقياء سراً ودفنوها. وقد أعطى الله علامة لقداسة شهيده أن طيباً أخذ يفيض من بقاياه ويشفي الكثيرين من أمراضهم، مما جعل الكنيسة تسميه بالمفيض الطيب. يذكر أن رائحة الطيب ما زالت تعبق بين الحين والحين من ضريحه إلى اليوم. وضريحه مودع في كنيسة (بازيليكا) القدّيس ديمتريوس في قلب مدينة تسالونيكي حيث يعتبر شفيع المدينة ومنقذها من الشدائد والضيقات. وهي لا زالت إلى اليوم تُقيم له احتفالات خاصة تشمل المدينة بأسرها كل عام وعلى مدى أسبوع كامل. يُذكر أن الإمبراطور يوستنيانوس (483-565 م) رغب، في زمانه، في نقل رفات القدّيس ديمتريوس إلى القسطنطينية فحضره صوت أبى عليه ذلك.

 

ألتثقيف الليتورجي المبسّط، سلسلة...
ألصلاة الســـــــــــــَّــحَرية.

يمكن إعتبار صلاة السحر أكثر الصلوات اليومية التصاقاً بالقداس الإلهي وأكثرها تهيئة له، لأنها تسبق القداس الإلهي مباشرة.

تبدأ صلاة السحر بتمجيد الثالوث القدوس، ثم تُقرأ ستة مزامير تُسَمّى مزامير الدينونة يقف فيها المصلي وكأنه أمام عرش الرب في ساعة الدينونة الرهيبة.
وفي أثناء ذلك يتلو الكاهن سراً (أي بصوت خافت) 12 افشين (صلاة) تزخر بالتماجيد الشكريّة إزاء رحمة الله ومحبّته وعنايته بنا، فهو الذي يصنع كلَّ شيءٍ لخير حياتنا، ويُرسِل معونته إلى الذين يلتمسونه، ويُصلّي الكاهن بإسم الحاضرين فيقول: "أيها السيد يا من قال: "ليشرق من الظلمة نور" وبدافع حنوِّه الخاص أراحنا بنوم الليل، وأنهضنا إلى تمجيد صلاحه، والتضرع إليه، إقبَلنا الآن أيضاً ساجدين لَكَ، وشاكرين إيّاك على قدر طاقتنا...".

بعد ذلك نُرتّل ممجدين حضور المسيح المُخَلِّص إلينا "الله الرب ظهر لنا، مباركٌ الآتي باسم الرب"، ثم نُرتّل طروبارية القيامة، ونمدح البتول التي منها ورد المسيح إلينا.
ثمّ نقرأ قطع نتأمّل بها في قيامة الرّب يسوع ونستعرض عظمة آلام الرّب الخلاصيّة التي جلبت لنا الفرح، ونُمَجّد غَلَبَتَهُ على الموت. بعد هذه القِطَع نُرَتِّل التبريكات الخاصة بالقيامة، "مبارك أنت يارب علمني حقوقك".
وهكذا يأتي إنجيل السحر الخاص بيوم الأحد ليُعلِن لنا قيامة الرب يسوع ومن ثم ظهوراته لتلاميذه بعد قيامته من بين الأموات.(يتميز إنجيل سَحَر الأحد أن الكاهن يقرؤه من داخل الهيكل واقفاً في الجِهة اليُمنى من المائدة في حين يِقِفُ الشمّاس في الجهة المقابلة يُذَكِّرنا بوقوف المَلاكَين عند قبر الرّب يسوع.
بعد إعلان القيامة هذا يَقرأ المتقدم قطعة من صلوات عيد الفصح:
"إذ قد رأينا قيامة المسيح فلنسجد للرّب القدوس يسوع البريء من الخطأ وحده، لصليبك أيها المسيح نسجد ولقيامتك المقدسة نُسَبِّح ونُمَجِّد، لأنَكَ أنتَ هو إلهنا وآخر سِواكَ لا نَعرِف وبإسمِكَ ندعو. هلمّوا يا مَعشَرَ المؤمنين نَسجُدُ لقيامَةِ المسيح المُقَدَّسَة. لأنه هوذا بالصليب أتى الفرح لكل العالم، فلنُبارِك الرّب في كل حين ونسبح قيامَتَهُ لأنَّه إذ احتَمَلَ الصَلبَ من أجلِنا أباد الموت بالموت".
وبعدها نصلي المزمور الخمسين مزمور التوبة : "ارحمني يا الله كعظيم رحمتك .." ويترافق معه خروج الكاهن بالإنجيل لكي يُقَبِّله المؤمنون ويتبرَّكوا منه.
بعد طلبة "خلص يارب شعبك" نقرأ "القنداق" وهو قطعة مديح أو تقريظ للعيد أو لصاحب العيد. القنداق إلى قطعة أو قطعتين تُظهِر مَعنَى العيد. بعد ذلك نُرَتِّلُ "الكاطافاسيات" (وهي قطع معينة خاصة بالأعياد السَيِّديَّة)، يعتلي الأسقف العرش عند ترتيلها في حين ينزل المرتلون عن كراسيهم الخشبية. أمّا قِطَع الكاطافاسيات تربط العهدين القديم والجديد، إنها تسابيح تستعرض لنا مَرَاحِم الله الغزيرة تجاه المؤمنين الذين يتّكلون عليه، إنها خبرة البشريّة مع أبيها السماوي من الخروج من عبودية مصر ولغاية الخروج من عبودية الموت الذي افتتحه تجسد الكلمة من العذراء مريم....
آمين


 

القديس الرسول لوقا الإنجيلي:

 

منذ القرن الثاني للميلاد والاعتقاد أن كاتب الإنجيل الثالث وسفر أعمال الرسل واحد وهو لوقا الطبيب (كولوسي 14:4) معاون بولس الرسول ورفيقه في عدد من أسفاره. يقول عنه التراث أنه من أنطاكية، وكتبنا الليتورجية تصفه بأنه "جمال الانطاكيين" (صلاة المساء)، وأنه رأى السيد في عمواس بعد قيامته وآكله، هو وكلاوبا، أحد السبعين، الوارد ذكره مفرداً في إنجيل لوقا (‪18:24‬). إذن هو أحد التلميذين اللذين دنا منهما السيّد في الطريق إلى عمواس وسار معهما. فإذا ما صحّ ذلك يكون إغفال ذكر اسم التلميذ الآخر، غير كلاوبا، مقصوداً، ربما من باب الخفر والاتضاع. إلى ذلك يذكر الكتّاب المتأخرون أنه كان رساماً وينسبون إليه أول أيقونة لوالدة الإله. أما لقاؤه ببولس الرسول فيبدو أنه كان في مدينة تراوس. وقد رافق الرسول المصطفى في قسم من رحلته التبشيرية الثانية وفي رحلته الثالثة. ويظهر، كما يذكر تقليد قديم، أنه أقام في فيليبي فترة من الزمن رافق خلالها تيطس في رحلات تبشيرية في المدينة والجوار. مكث لوقا الإنجيلي مع بولس الرسول في قيصرية فلسطين مدة عامين قضاها هذا الأخير مسجوناً. كذلك رافقه إلى روما وبقي بجانبه هناك أيضاً، في فترة سجنه. ثم بعد استشهاد رسول الأمم يظن انه انتقل إلى دالماتيا وغالباً مبشّراً بالإنجيل. هذا إذا ما أخذنا بشهادة القديس ابيفانيوس القبرصي (315-304 م). ‏وجّه القديس لوقا إنجيله وسفر أعمال الرسل إلى رجل اسمه ثاوفيلوس سبق له أن اقتبل الكلمة. وقد أراد لوقا أن يزوّد هذا الرجل الذي يصفه بـ "العزيز"، بالقول الصحيح عن البشارة، ربما لتمكينه من التمييز بين الشهادة الصحيحة والشهادة المزورة عن المسيح بعدما أخذت كتابات منحولة طريقها إلى التداول. ‏أما من هو ثاوفيلوس هذا فليس لدينا قول قاطع بشأنه. بعض المصادر يقول أنه كان رجلاً إيطالياً شريفاً وبعضها أنه كان حاكم اخائية. ‏أنى يكن الأمر، فإن أسلوب القدّيس لوقا وطريقته في نظم الأحداث وعرضها يشيران، في نظر العلماء والدارسين، إلى ثقافة يونانية راقية وعقل علمي، فهو أكثر الإنجيليين التصاقاً بالبشارة كتاريخ. إلى ذلك تعتبره صلواتنا الليتورجية "‏... خطيباً بليغاً للكنيسة الموقّرة..." (صلاة السحر). ‏أما مزايا إنجيله، فالصورة التي اهتمّ بإبرازها عن السيد هي أنه المخلّص الإلهي للعالم أجمع وطبيب النفوس والأجساد. ولوقا أكثر الإنجيليين ذكراً للرب يسوع مصلياً وفي شهادته حث على الصلاة المتواصلة. كما يظهر الرب يسوع في إنجيله عطوفاً على النساء والفقراء والأميين على نحو مميّز. ‏لا نعرف تماماً لا أين ولا متى رقد القدّيس لوقا. بعض المصادر يقول أنه بلغ الثمانين من العمر وأنه رقد في الإسكندرية، ومن هناك نقل إلى مدينة القسطنطينية في القرن الرابع، أيام الإمبراطور قسطنديوس (357‏م). إلى رفاته تعزى عجائب شفاء عديدة ويقال أن سائلاً كان يخرج من قبره ويشفي من يدهنون به من ذوي أمراض العيون.


 

✥ القدّيس الشّهيد في الكهنة يعقوب الحمطوري: عاش ونَسَكَ أواخر القرن الخامس العشر (1450م) في دير رقاد السيدة - حماطورة في شمال لبنان، هذا القدّيس الشّهيد في الكهنة كان أباً راعياً لرعيّة المسيح الناطقة، احتمل الإضطهاد وقدّم رعايةً صحيحة، حمل رعيّته في قلبه، وفي حياته كلها وعندما حلّ إضطهادٌ على الرعية من قِبل المماليك كان هو المدافع الأوّل، والقابل الأوّل للعذاب ومن بعد إضطهادٍ أليمٍ ومن بعد عذابٍ وصبرٍ واحتمالٍ وثباتٍ في الإيمان بالرّبّ يسوع نال الشهادة عبر قطع رأسه. الصّلاة كانت مرافقته في تعذيبه، كان مؤمناً وموقناً أنه بها سيتحمل كلّ ألـم، سيتحمل كل عذاب، حتى أنه سيتحمّل قطع الرأس ليقدّم شهادة صالحة للرّبّ يسوع. فيكون بحياته ومسلكه شاهداً للرّبّ يسوع، وبخاتمة حياته العطرة، شهيداً للرّبّ يسوع أيضاً. الشهيد في الكهنة القدّيس يعقوب الحمطوري برز روحيّاً أيضًا بنشاطه الذي فيه ثبّت الحياة الرهبانيّة في منطقة الدير بعد أن دمّره المماليك. وإذ أعاد البناء وجدّد الحياة الرهبانية ونشّطها، التفت المماليك إليه وقرّروا تغيير عزمه وثنيه عن نشاطه وتحويله عن إيمانه إلى مسلم فلم يقبل رغم الشدّة. وجرياً على عادة المماليك بتعذيب أخصامهم والتنكيل بهم أخذوه من دير القديس جاورجيوس في أعلى الجبل المدعوّ حمطورة حيث كان ينسك وجرّوه إلى مدينه طرابلس أمام الوالي. فبدأت محاكمته: تارةً يتملّقوه وأخرى يتّهمونه ضاغطين عليه بتعذيبات شديدة وتهويلات. فلم يقبل ولم ينثنِ. أخيراً قطعوا رأسه بقساوةٍ في الثالث عشر من تشرين الأوّل. وإمعاناً بالتعسّف أحرقوا جسده لئلا يسلموه إلى الكنيسة، فيتمّ تكريمه ودفنه كشهيد؛ وكما يليق بالقديسين المجاهدين. لكن الله توّجَهُ بأكاليل لا تذبل ومتّعه بالنعيم بعد الهوان في زمنٍ قليل. فبرز في استشهاده كما كان بارزاً في حياته بل وأكثر من ذلك، إذ أعلنته الكنيسة قديساً تكرّمه وتستشفع به. ولكن نتيجة الضعف الروحي وعدم القراءة والمعرفة في زمن العثمانيين نُسيَ القديس. يذكره السنكسار الانطاكي بايجاز في مخطوطة بلمندية تحت رقم 149، في اليوم الثالث عشر من شهر تشرين الاول ، لكنَ القديس بعد ان نسي بسبب استبدال المخطوطات المحلية بالترجمات عن اليونانية ،التي اغفلت القديسين المحليين. فكان دوما حاضرا مع المصلين ، فمنهم من يظهر لهم ويباركهم، ومنهم من يشفي.وكان مرارا يرتل في الكنيسة فيسمعه الرهبان والزوار، ويتشددوا في جهادهم . وقد اوصى احدى المؤمنات باخبار الرهبان ان سيكشف لهم قبره، فلم يكترث الرهبان لهذا الامر ، لكنه في الثالث من تموز 2008 ، فيما كانت اعمال تجديد البلاط جارية ، وجدت عظام انسانية تحت تراب ارض الكنيسة وبان قبر صغير يحوي هيكلين عظميَين ، تظهر عليهما آثار التعذيب والضرب ، وبعض الدم المتجمد ، وبعض عظامه ، وهيكلين آخرين تبيَن بعد الفحوصات المخبرية الحديثة التي اجراها الدكتور ناجي صعيبي، المتخصص بالطب الشرعي، ان الهيكلين يعودان الى 650 سنة على احدهما آثار حريق وقد قطعت هامته وفقدت الفقرة الثانية من رقبته . مما يدل حسب المواصفات التي يذكرها مخطوط السنكسار البلمندي، انها للقديس يعقوب الحمطوري الذي كان في الخمسين من عمره ، وكذلك رفيقه في الاربعين .اما الهياكل الاخرى فترجع الى 450 سنة تقريبا . اعتبر الاقدمون هذه الرفات مقدسة ، فلم يدفنوها في مدافن عادية، بل في وسط الكنيسة وبطريقة سريعة نتجية الضغوطات والاضطهادات . كذلك وجدت تحت المائدة المقدسة بعض عظام جمجمة الطفل : مما يدل على ان الاقدمين قد اعتبروهم شهداء. حين تعرضت الكنيسة للتخريب ، أعادوا تكريسها في 16 تشرين الثاني سنة 1894 اي قبل مئة واربعة عشر سنة . ان عددا كبيرا من المؤمنين يزور الدير ويتبارك بصلاة والدة الاله القديسة والقديس يعقوب الحمطوري . واليوم بات تكريمه اكثر شيوعا من ذي قبل ، فكيثرون ممن يباركهم القديس ورفاقه يرجعون الى الدير ، ليدلوا بشهادة بسيطة مسجلين شكرهم ومحبتهم للرب القدوس، الذي اعطانا اياه ورفاقه منارات ترشد الى طاعة الله ومحبة القريب بما يغدق من اشفية ونعم. تعيّد له الكنيسةُ المقدّسة في الثالث عشر من تشرين الأول. وقد أحيا الدٌير تذكاره لأوّل مرّة في 13/10/2002 في سهرانية اشترك فيها عدد كبير من الكهنة والشمامسة والأخوة المؤمنين مرنّمين خدمة العيد التي نظَمها الأرشمندريت بندلايمون فرح، رئيس الدير.


 

من كنوز القديس إسحق السرياني

 

بالمحبةِ صنعَ الله العالمَ، وبالمحبةِ يقودُهُ في هذا المسارِ الزمنيّ، وبالمحبةِ يقودُه نحو التجلّي الإلهي. وكذلكَ بالمحبةِ سنحمِلُ هذا العالمَ نحو السرِّ العظيم، وبالمحبةِ سترجِعُ كلّ الخليقةِ إلى الخالق.

 

إذا لم أستطعْ أن أُحبَّ الآخرَ فيجبُ عليَّ أن أبحثَ عن السببِ الذي يمنعُني من حبِّهِ، فيَّ لا في الآخر. وأنّ المحبةَ التي تتعلقُ بأمورٍ موجودةٍ في الآخرِ هي محبةٌ عارضة وستنتهي في وقتٍ من الأوقات، بينما الحبّ المعطى لنا من اللهِ هو حبٌّ مستمرٌّ لا ينتهي.

 

شيئاً فشيئاً يجب أن نتعلمَ ألا نخافَ من الموت، بل أن نتقبّلَهُ، شيئاً فشيئاً يجب أن نتعلَّمَ ألا ننظرَ إلى الموتِ على أنهُ نهايةُ الحياة، ولكن أن ننظرَ أنه اكتمالٌ وكمالٌ لها. والموتُ ليس شيئاً متسلّطاً علينا بما أنه شيءٌ لا يفرُّ منه أيُّ إنسانٍ، ولهذا فهو واقعٌ يجب أن نتعايشَ معه.

 

ما هو القلبُ الرحيم؟ إنه احتراقُ القلبِ لأجلِ أيِّ مخلوقٍ، لأجلِ الناسِ، ولأجلِ الأعداءِ، ولأجلِ الذين يتخاصمون. وأيضاً لأجل الطيورِ والوحوشِ، ولأجل الشياطينَ، ولأجلِ أيٍّ كان. في ذكرهمْ وفي رؤيتهمْ عيناك تذرِفان الدموع.

 

إذا كنت مشفقاً على شخصٍ ما، وتريد أن تهديه إلى الحقيقةِ، فعليكَ أن تتألمَ ألماً كبيراً بدموعٍ ومحبة. وتتصرفَ تجاهَهُ بأن تقولَ كلمةً أو كلمتين دون أن تحترقَ غضباً منه، ودونَ أن تقومَ بعملٍ عدائيٍّ تُناقض فيه المحبة. فلا تغضبْ أبداً لأنّ علامةَ المحبةِ هي تواضعٌ كبيرٌ يأتي من معرفةٍ، فتشكّلُ خبرةً كبيرة.

 

التوبة والطهارة والكمال. ما هي التوبة؟ هي تركُ كلِّ ما مضى والتندُّم عليه. وهي القلبُ المنسحقُ والمتواضع. وما هي الطهارةُ بإيجاز؟ هي القلبُ الذي يرحمُ كلَّ الطبيعةِ المخلوقة. وما هو الكمال؟ هو عُمقُ التواضعِ. ويعبَّرُ عنه بتركِ كلِّ ما هو منظور وغير منظورٍ... دون الالتفات إليه.

 

التبريرُ غريبٌ عن سيرةِ المسيحيين ولا وجودَ لهُ في تعليمِ المسيح. افرحْ مع الفرحينَ وابكِ مع الباكين، فهذا دليلُ الطهارة. امرضْ مع المرضى، نُحْ مع الخطأة، افرحْ مع التائبين. صادِقِ الجميعَ إنما كنْ وحيداً في ذِهنكَ. شاركِ الجميعَ في آلامهمْ وكنْ بعيداً عنهمْ بجسدِكَ. لا تؤنِّبْ ولا تعيِّرْ أحداً حتى سَيِّئَ السيرةِ. ابسطْ وشاحَكَ على المذنبِ واستُرْهُ. وإذا كنتَ لا تستطيعُ تحمّلَ ذنوبهِ وتأديبهِ وعارهِ فاصْبرْ عليه على الأقل ولا تُخزِه". ويضيف قائلاً: "فإذا كنتَ لا تجدُ السكينةَ في قلبكَ فليكنْ لسانُكَ على الأقلِّ في سكينة. وإذا كنتَ لا تستطيعُ أن تنظّمَ أفكاركَ وتضبِطَها، فنظِّمْ حواسَكَ على الأقلِّ واضْبِطْها. إذا كنتَ لا تستطيعُ أن تكونَ وحيداً بذهنكَ، فكن وحيداً بجسدِكَ على الأقلّ. إذا كنتَ لا تستطيعُ أن تعملَ جسدياً، فاحزنْ بذهنكَ على الأقلّ. إذا كنتَ لا تقدرُ أن تقفَ في السهرِ الروحي فاسهرْ جالساً على مَرقَدِكَ أو مستلقياً. إذا كنتَ لا تستطيعُ أن تصومَ يومين فصُمْ يوماً واحداً على الأقلّ، وإذا كان الصومُ صعباً عليكَ فانتبه ألا تشبع. إذا لم تكنْ قديساً بقلبِكَ فكنْ نقياً بجسدِكَ. إذا كنتَ لا تستطيعُ النوحَ بقلبكَ، فألبِسْ وجهكَ به. إذا كنتَ لا تستطيعُ أن تَرحم فتكلَّمْ مثل خاطئ. إذا لم تكنْ فاعلَ سلامٍ فلا تكنْ محبّاً للشغب. إذا لم تكن مجتهداً بكلِّيتكَ فكنْ كذلكَ بعقلِكَ على الأقلّ. إذا لم تكنْ منتصراً، فلا تترفعْ على الخاطئين. إذا كنتَ لا تقدرُ أن تُسكِتَ من يذُمُّ أخاهُ، فاحترسْ من مشاركَتِهِ على الأقلّ".

 

نقلاً عن كتاب "ندوة القديس إسحق السرياني"


 ✥ القديس النبي يونان:

 

هو يونان الذي يتحدث عنه السفر المعروف باسمه، وهو أحد أسفار الأنبياء الاثني عشر الصغار، من مجموعة كتب العهد القديم. صار قول الرب إليه هكذا: قم اذهب إلى نينوى، المدينة العظيمة، وناد عليها لأنه قد صعد شرّهم أمامي. فلم يرد أن يذهب بل قام وهرب وجاء إلى سفينة مسافرة إلى ترشيش. وفي الطريق، فيما كانت السفينة في عرض البحر، أرسل الرب عليها ريحاً شديدة فحدث نوء عظيم حتى كادت السفينة تفرق. وإذ خطر ببال البحارة أن يكون أحد المسافرين سبب هذه المصيبة التي ألّمت بهم لخطيئة شنيعة ارتكبها، ألقوا القرعة فيما بينهم فوقعت على يونان. فاعترف يونان بأنه هارب من وجه ربه. وعلى كلمة يونان، أخذه البحارة وطرحوه في المياه فهدأت العاصفة. أما الرب- كما يقول السفر- فقد أعد حوتاً عظيماً ليبتلعه. فكان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال. وصلّى يونان إلى الرب، إلهه، فأصغى إليه وأمر الحوت فقذف بيونان إلى البر. وصار قول الرب إلى يونان من جديد: قم اذهب إلى نينوى، المدينة العظيمة، وناد لها بالمناداة التي أنا مكلمك بها". فقام يونان هذه المرة وذهب صاغراً. ونادى يونان في نينوى أن الرب مزمع، في أربعين يومأ، أن يخرب المدينة بسبب طرقها الرديئة وكثرة الشرور فيها. ولكن، نخس أهل نينوى إلى قلوبهم فقاموا بنفس واحدة ونادوا بصوم ولبسوا المسح من الكبير إلى الصغير - حتى البهائم صوّمت - وصرخوا بصوت عظيم سائلين العلّي العفو والرحمة. فلما رأى الرب الإله توبة المدينة عدل عما كان مزمعا أن يصنعه بها. ولم يرق الأمر ليونان لأنه ظنّ أن مجيئه إلى نينوى كان بلا فائدة وأنه تجشّم مشقّات السفر سدى. ثم إنه كان يعرف أصلاً، على حد تعبيره، أن الرب الإله رؤوف رحيم، بطيء الغضب وكثير الرحمة، وسيغفر لأهل نينوى ذنوبهم في نهاية المطاف. هكذا بدا يونان باراً في عين نفسه. وأراد الرب الإله أن يلقّن يونان درساً. فما إن خرج إلى مكان يطل على المدينة منتظراً ما سيحلّ بها، أنبت له الله يقطينة في يوم واحد، ارتفعت وظلّلته، ففرح بها يونان فرحاً عظيماً. ولكن، أرسل الله دودة، مع الفجر، نخرت اليقطينة فجفّت. ثم طلعت الشمس ويبّستها. فاغتاظ يونان جداً وطلب لنفسه الموت. فنظر الله إلى غيظه وقال له: أتظن نفسك على حق في ما أنت فاعل؟ أشفقت على اليقطينة ولم تتعب فيها ولا ربيّتها، وكانت بنت يومها، أتريدني ألا أشفق على أهل نينوى وقد تابوا إليّ ؟!

في العهد القديم: ذكر يونان النبي في مكانين:
1- في سفر يونان.
2- في سجل ملوك بني إسرائيل.، حيث نجد سيرته في سفر الملوك الثاني (2مل25:14)، وهناك نتعرّف على اسم والده ومكان إقامته، وأيضًا على اسم الملك الذي كان يحكم البلاد في وقته.
في العهد الجديد:
- في حوار الرّب يسوع مع الفرّيسيّين: "جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له أية إلا آيّة يونان النبي. لأنّه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام و ثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال" (مت39:12-40)
- رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لانهم تابوا بمناداة يونان.وهوذا اعظم من يونان ههنا (مت 41:12)
* يرى القدّيس كيرلّس الكبير  أن السيّد المسيح رفض تقديم آية لهم لأنهم طلبوا ذلك بمكر، فقد قدّم لهم قبل ذلك آيات فاتّهموه أنّه برئيس الشيّاطين يخرج شيّاطين. لذا لم يستحقّوا التمتّع بآياته، إذ يقول: [نَبَع طلبهم عن مكر فلم يُستجاب لهم كقول الكتاب: "يطلبني الأشرار ولا يجدونني" (هو 5: 6)... لهذا لم يرد أن يقدّم لهم آية أخرى، فلا يقدّم القُدْس للكلاب ولا يُلقي الدُرر للخنازير، إذ كيف يستحق هؤلاء الذين قدّموا افتراءات مرّة على المعجزات التي تمت أن يتمتّعوا برؤية معجزات أخرى...؟ لهذا قال لهم أنه لا تعطى لهم سوى آية يونان التي تعني الصليب والقيامة من الأموات. بهذا نرى أن السيّد أراد أن يؤكّد لهم بأن الآية ليست عملًا استعراضيًا، وإنّما هي عمل إلهي حقّقه الرّب يسوع بنفسه وغايته خلاص الإنسان. أمّا ارتباط يونان بشخص السيّد المسيح فهو ارتباط الرمز بالمرموز إليه، ويكمل القدّيس كيرلس الأورشليمي فيقول: "إن كان يونان قد ألقيَ في بطن الحوت، فالرّب يسوع نزل بإرادته إلى حيث حوت الموت غير المنظور، ليجبره على قذف الذين كان قد ابتلعهم، كما هو مكتوب: "من يد الهاوية أفديهم، من الموت أخلِّصهم".
* ويقول القدّيس باسيليوس الكبير: أعطاهم علامة لكن ليست من السماء، لأنّهم لم يكونوا يستحقّون رؤيتها، إنّما من أعماق الجحيم، أعنى علامة تجسّده ولاهوته وآلامه وتمجيده بقيامته بعد دخوله إلى الجحيم ليحرّر الذين ماتوا على رجاء.
* كذلك يقول القدّيس أمبروسيوس: آية يونان ترمز لآلام ربّنا، وفي نفس الوقت شهادة ضدّ خطيّة اليهود الخطيرة التي يرتكبوها. بأهل نينوى يُشير إلى العقاب (إذ يقدّم اليهود العذابات للسيّد المسيح) وفي نفس الوقت الرحمة، فلا ييأس اليهود من المغفرة إن مارسوا التوبة. لقد تمتّع أهل نينوى بيونان الكارز المنطلق من بطن الحوت، أمّا نحن فتمتّعنا بيونان الحقيقي القادر أن يطلقنا من أعماق الهاوية ويدخل بنا إلى ملكوته السماوي:"هوذا أعظم من يونان ههنا".
صار لنا أيضًا من هو أعظم من سليمان، الذي لا يحدّثنا بكلمات حكمة فحسب، بل يطرد عنّا مملكة إبليس. فقول السيد المسيح لا يؤكد فقط حقيقة يونان، بل حقيقة دخوله إلى جوف الحوت كرمز لدفنه وقيامته.  وذكره السيد المسيح مرة أخرى في تبكيته لليهود: "رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه؛ لأنهم تابوا بمناداة يونان" (مت41:12).
خلاصة: ها في وسطنا من هو أعظم من يونان الذي اجتذب أهل نينوى للتوبة، وأعظم من سليمان الذي جاءت إليه ملكة التيمن من أقصى الأرض تسمع حكمته. ها في وسطنا خالق يونان، وخالق أهل نينوى وخالق سليمان وخالق العالم كلّه. إنّه الله المتجسّد الذي أتى بنفسه ليعيدنا إلى الملكوت.


“الجهاد الروحي” ومعناه في حياتنا.

 

إن هدف حياتنا هو أن نصبح قديسين، كاملين، أبناء لله، ورثة لملكوته السماوي، أما "الجهاد الروحي" فهو الوسيلة لتحقيق ذلك.
إن وسائل "الجهاد" كثيرة منها الصوم والسهرانيات والصلوات والكثير غير ذلك.
لكن هذه الوسائل لا تقدم إلى مُمَارِسيها ثماراً روحيّة حسنة فقط بالتعلُّق بها دون التركيز على الجوهر، أي نعمة الروح القدس، لأنها ليست هي هدف حياتنا بل هي وسائل لتحقيق الهدف السامي أي القداسة.
بالجهاد الروحي نسعى لأن نَتَزيَّن بالفضائل وأن نتخلَّص من كلّ هوى متجذر فينا، وبه نحافظ على نقاوة قلوبنا من أي أوساخ وشوائب حتى يأتي ويسكن فينا السيد ويملأنا الروح القدس بنعمه الكثيرة.
ينبغي أن يكون اهتمامنا وسَعينا في الجهاد الروحي مستمراً ودون توقُّف، ولتحقيق ذلك يجب أن نُصلّي إلى الله، وأن نطلبه من أعماق قلبنا، وليس من شفاهنا، وعندما نجده لنقف بخوف واحترام كما تفعل الملائكة بحضوره، ونقف بإجلال لأنّ قلوبَنا أصبَحَت عرشاً يَجلُسُ عليها السيد، ولكن حتى نجده يجب أن نجاهد كي نتواضع، لأن الله لا يُحب التكبُّر وإنما يُحب متواضعي القلوب ويزورهم.
فلنجاهد الجهاد الحسن والله سيقوينا في جهادنا ضد ضعفنا ونواقصنا وخطايانا لأنه سيكون كمرآة لحياتنا الروحية؛ الذي لا يجاهد لن يستطيع أن يعرف ذاته، ولننتبه مجاهدين أيضاً ضد الضعفات الصغيرة، وإن حَدَثَ وسَقَطنا في بعض الخطايا بسبب عدم الإنتباه فلا نيأس بل لننهض بسرعة ولنلجأ إلى لله لأن لديه القدرة أن يصلحنا.
ألضعف والأهواء موجودة في داخلنا وجذورها عميقة، لا يمكننا قطعها والتخلص منها بحركة واحدة، ولا حتى بواسطة اليأس والقلق والحزن ولكن يتم التخلص منها بواسطة الجهاد بالصبر والمثابرة والاهتمام والانتباه.
إن الطريق المؤدي للكمال طويل، لنصلّي لله حتى يقوّينا فنواجه السقطات بصبر وننهض بسرعة ونتابع في المسيرة.
“صلوا واسهروا حتى لا تدخلوا في تجربة”، هذه هي وصية الجهاد الحقيقية فلا نيأس إن سقطنا في خطايا قديمة ومتكررة، الكثير منها يحتاج لتعب وجهاد طويل، ومع الزمن والاهتمام بالحياة الروحية سنكون من المجاهدين الحقيقيين الذين سيحققوا النصر والملكوت السماوي.
آمين


ميلاد والدة الإله الفائقة القداسة والدائمة البتولية مريم:

"القدير صنع بي عظائم واسمه قدّوس"(لوقا ٤٩:١)، حياة العذراء مريم هي خير شرح لهذه الآية، وحياة والدة الإله هي أفضل مثال لنا نحن البشر.إنسانةٌ مثلنا تقدّست بالنعمة ووَلَدت الإله. يا له من سرّ عظيم يفوق كلّ العقول.!!! عذراء تصبح والدة الإله. وحدها هذه العبارة يكمن فيها "كل سرّ تدبير الخلاص" (القدّيس يوحنا الدمشقي)بالمقابل يقول القدّيس نيقولاس كاباسيلاس (نحو ١٣٢٠- ١٣٦٣):" نظر الله من العلى إلى الأرض فرأى إنسانة طاهرة نقيّة متواضعة، فلم يستطع إلّا أن يتجسّد منها"تواضع العذراء مريم جذب الله.هنا لبّ الموضوع،"طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (متى ٨:٥). فهي لم تعاين الله فحسب، بل حملته في أحشائها. وهكذا بمسيرتها تتحقّق أقوال الأنبياء بخلاص الله الموعود للبشر، الله يُصبح إنساناً.

الكنيسة تحتفل بميلاد السيّدة لأنّ فيها تمّ القصد الإلهيّ بخلاص البشر. من ميلادها نأخذ عبرةً أنّ: "كلّ مولود بشري مشروع قداسة وحامل للإله"، إذا هو أراد طبعاً.

تُقيم الكنيسة الأرثوذكسيّة لوالدة الإله أكثر من عيد في السنة.ولكن يجب أن ندرك جيّداً أن كلّ الأعياد الأساسيّة الثابتة والمنتقلة (عددهااثنا عشر ماعدا الفصح) هي أعياد سيّديّة لأنها تتمحور حول الرّب يسوع المسيح وترتبط به. فهي تدعى سيّديّة لأنّها من كلمة سيّد وليس من كلمة سيّدة. حتى عيد ميلاد والدة الإله، وعيد دخول السيّدة إلى الهيكل وعيد البشارة وعيد رقاد والدة الإله والتي هي من ضمن الأعياد الاإثني عشر هي أعياد سيّدية مرتبطة بالرّب مع أنّها تُدعى أعياد والدية.

الجدير بالملاحظة أن عيد ميلاد والدة الإله (الثامن من أيلول) هو أوّل عيد سيّدي في الكنيسة الأرثوذكسيّة بحيث تبدأ السنة الطقسيّة في أوّل شهر أيلول، وكذلك عيد رقاد والدة الإله هو آخر عيد سيّدي ويقع في الخامس عشر من شهر آب.وكأنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة في ذلك أرادت أن تقول إنّ والدة الإله الأم التي حملت في أحشائها الضابط الكل، تحمل في أحشائها دورة أعيادنا الليتورجيّة كلّها من أوّلها إلى نهايتها.كيف لا وهي الأمّ الحاضنة التي كلّما نظرنا إلى أيقونتها تنظر هي في وجهنا لتقول: " لنهلل سوياً للرّب يسوع المسيح، إنّه المخلّص الوحيد. إلهي وإلهكم، مخلّصي ومخلّصكم."

ومع ولادة مريم تبدأ بشائر الفرح وتحقيق الوعد الخلاصي. فهذه الطفلة ستكون والدة الإله. ولكن، ليس باختيار مسبق ولا بتمييز بين الخلائق البشرية، بل بتواضعها ونقاوتها وعشقها لله. فهي التي قالت: " تعظّم نفسي الرّب وتبتهج روحي بالله مخلصي. لأنه نظر إلى اتضاع أمته " (لوقا 46:1-48). 

فلا أحد من البشر يولد خاطئاً. أجل، كلّنا معرّضون للخطيئة بسبب ضعف الطبيعة البشريّة، إلاّ أنّنا ورثنا نتائج الخطيئة الجدّيّة بعد سقوط آدم وحواء، من غير أن نرث الخطيئة نفسها. في هذا، ولدَت العذراء مريم كسائر البشر، من دون تمييز، وتغلّبت على مختلف التجارب بعشقها لله والتصاقها به. نحن إذاً مدعوّون لنحذو حذوها ونتّخذها مثالاً. فإنّ من يتّحد بالله وبنعمته يغلب جميع أنواع الخطايا. فالخطيئة ليست أقوى من الإنسان بتاتاً مهما تكبر وتثقل، بل هي مغلوبة بنور المسيح. وهذا يذكّرنا بما قاله الله لقايين منذ بدء سفر التكوين:"...عند الباب خطيئة رابضة واليك اشتياقها وأنت تسود عليها " (تكوين 7:4)، فعبارة "أنت تسود عليها" هي لكل واحدٍ منّا، فنحن نسود على الخطيئة بثباتنا بالله.

مع ميلاد مريم تبتدئ رحلة عودتنا إلى الملكوت. ومع رقادها وانتقالها إلى السماء يتحقق ما قاله الرّب يسوع لنا: "من آمن بي ولو مات فسيحيا" (يو25:11). فنحن خُلقنا لنكون قياميّين بالقائم أبدًا ودائمًا.


 

شهر أيلول، شهر الصليب المُحيي في الكنيسة الشرقيّة.

 

مع بداية السنة الكنسيّة الجديدة، في أول شهر أيلول، تضع الكنيسة المقدّسة أمام أعيُننا الهدف الذي يسعى اليه كل مؤمن وهو الوصول الى الخلاص الذي تحقق بالصليب. لذلك تهتم الكنيسة الارثوذكسيّة بالصليب إهتماماً عظيماً اذ تُعيَد الكنيسة المقدّسة في الرّابع عشر من أيلول من كل عام لرفع وظهور الصليب الذي صُلِبَ عليه ربُّ المجد والذي عِبرَهُ تحقّقَ الخلاص، لما بسط الرب يسوع يديه على الصليب. كذلك خصّصت الكنيسة له احدين : " الأحد قبل رفع الصليب" و"الأحد بعد رفع الصليب".
لذلك الكنيسة الارثوذكسيّة المقدّسة تعتبر عيد رفع الصليب" المُحيي" من أكبر أعيادَها، ولهذا كان يعرض الصليب المقدّس على المؤمنين للسجود له قبل العيد بثلاثة ايام؛ ولم تكتف الكنيسة الارثوذكسيّة بتَعيِيدِه ليوم واحد بل خصّصت له يومين آخرين بالسجود للصليب، وهو الاحد الثالث من الصوم الكبير، والأوّل من شهر آب، دفعاً للأمراض .

يعود سبب نشؤ عيد رفع الصليب "المُحيي":
- اولاً الى اكتشاف الصليب المقدّس على يد الملكة القدّيسة هيلانة والدة الإمبراطور القدّيس قسطنطين وتكريس بناء كنيسة القيامة.
- أيضا السبب الثاني لعيد رفع الصليب " المُحيي" هو ظهور علامة الصليب في السماء مع عبارة " بهذه العلامة ستنتصر" التي ظهرت للامبراطور قسطنطين عندما كان يُحارب خصومه والذي انتصر في الحرب.
- والسبب الثالث هو إسترجاع خشبة الصليب من الفرس على يد الامبراطور هرقل حيث رفع الصليب في مكانه الأصلي ليسجد له كل المؤمنين.
آمين


لم أفعل شيئاً ... قصّة ذات مغزى روحيّ كبير

 

"امتلأت جهنّم بالخاطئين، وكان كثير من الأشخاص موجودين خارج الباب ينتظرون بقلق كبير إن كانوا سيدخلون إليها أم لا. فوقف رئيس الشياطين على الباب وصرخ بصوت جهير أخاف جميع الحاضرين: لقد امتلأت الأمكنة جميعها من أحبّائي أصحاب الشرور المتنوّعة، ولم يبقَ سوى مكان واحد شاغر أظنّه أحلى الأمكنة وأفخمها. ثمّ بدأ يسير بين الخطأة وهو يبتسم تلك الابتسامة الرهيبة ويضحك بسخرية ضحكة كانت تقشعرّ لسماعها أبدان الخاطئين.
أخذ رئيس الشياطين يهزّ كلّ واحد من كتفه وهو يسأله بلهجة مقزّزة للنفس عن الخطايا التي ارتكبها ليرى من هو صاحب الحظّ الأكبر ليتربّع في هذا المكان الفخم.
وفيما هو يسير، رأى واحدًا بدت عليه إمارات الهدوء وهو ينظر بازدراء ولامبالاة إلى هذا الرئيس. فاقترب منه زعيم الشياطين متعجّبًا وسائلاً:
- أأنت خاطئ؟
- لم يردّ الشخص جوابًا، بل اكتفى بالنظر إليه شزرًا.
- لماذا لا تردّ؟ ماذا فعلت في حياتك؟
- لا شيء، فأنا رجل صالح جدًّا.
- ضحك الرئيس عاليًا، وقال: وكيف اتّفق وجودك هنا إذن؟
- أنا هنا نتيجة سوء فهم فقط.
- ولكنّك، بالتأكيد أخطأت يومًا ما، فكلّ إنسان يخطئ.
- أجاب الرجل بقناعة تامّة وثقة متناهية: لا شكّ، ولكنّي لم أدخل عالم الخطيئة الفعليّ. فقد رأيت بشرًا يضطهدون غيرهم، بيد أنّي لم أدخل معهم في هذا المعترك. ورأيت آخرين يميتون الأطفال جوعًا، أو يبيعونهم عبيدًا، ولكنّي لم أوافقهم على فعلهم هذا. ورأيت، أيضًا، جماعة أخرى تهشّم أجساد مخدوميهم ويعاملونهم كنفاية المجتمع، أمّا أنا فقد قاومتهم على فعلهم هذا ولم أقترف مثلهم أفعالاً مشينة.
- أأنت متأكّد أنّك لم تفعل شيئًا مثلهم.
- أجاب الرجل بثقة تامّة: نعم.
- أرأيت كلّ هذه المظالم تجري على بني جنسك، وبقيت ساكتًا لا تحرّك ساكنًا؟
- نعم، رأيتها ولم أفعل شيئًا، فماذا تريدني أن أفعل؟
فقهقه رئيس الشياطين عاليًا وقال للرجل: مبروك، أقدّم لك خالص تحيّاتي وأحرّ تهانيّ القلبيّة. ادخل، يا صديقي، فهذا المكان معدّ لك.

أحبّاءنا، الإنسان المسيحيّ ليس فقط يحيد عن الشرّ، ولكن يصنع الخير أيضًا. يبتعد عن الرذيلة ويعمل الفضيلة. يدافع عن المظلوم ويساعد المحتاج. لا يكتفي بالنظريّات، بل يقدّم الأفعال. الإنسان المسيحيّ ليس متفرّجًا وحسب بل، أيضًا فعّالاً، على خطى مسيحه. المسيحيّ يضحّي، يبذل، ويحبّ حتّى آخر نقطة من دمه. المسيحيّ هو مسيح آخر على الأرض مملوء دعة وعطاء وحبًّا.


إنتقال والدة الإله.
(في السواعي الكبير والسنكسار الجزء الأول)

 

تُكرِّم الكنيسة الأرثوذكسية في العالم، بشكل خاص، والدة الإله وهذا التكريم يعود أصوله أو جذوره لفترة الرسل من تاريخ الكنيسة وشهدوا بذلك من خلال الأناجيل المقدسة ومنهم الإنجيلي لوقا: “فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تُطوّبُني” (لو48:1)، ويعتبر هذا التطويب شهادة على تكريم شخص والدة الإله من العصر الرسولي.
ألكنيسة المقدسة قد تَسلَّمت من الآباء منذ قديم الزمان عن رقاد والدة الاله ما يلي:
وهو أنه لما حان ملء الزمان الذي سر فيه مخلصنا أن ينقل اليه والدته، ارسل اليها ملاكاً قبل ثلاثة أيام ليخبَرها بقرب انتقالها من هذه الحياة الزائلة الى الحياة الأبدية المغبوطة.
فلما سمعت هي بذلك صعدت بسرعة الى جبل الزيتون الذي كانت تذهب اليه كثيراً للصلاة وأدت الشكر لله، ثم عادت راجعةً الى بيتها وأخذت تهيِّءُ ما يقتضي للدفن وفيما هي على هذه الحال أختطف الرسل من أقاصي الأرض، كلا منها من حيث يُكرزُ بالبشارة، وأحضروا في وهلة واحدةٍ الى بيت والدة الاله فأخبرتهم بسبب جمعهم بغتةً وعزَّتهم بمثابة أمٍّ عن الحزن الذي اعتراهم لا محالة، ثم رفعت يديها وتضرَّعت من أجل سلامة العالم، وباركت الرسل واخيراً إضطجعت على سريرها، وجعلت جسمها على الهيئة التي شاءَت، وهكذا أسلمت روحها الفائقة القداسة في يديّ إبنها وإلهها، أما الرسل فرفعوا السرير الذي كان عليه جسدها المتقبل الإله بورع عظيم ومصابيح كثيرة مرتلين نشائد التجنيز وحملوه الى القبر وكانت الملائكة إذ ذاك ترتل معهم من السماء مشيعين "من هي أعلى من الشاروبيم" وإذ تجاسر أحدُ اليهود حَسداً أن يمد يديه على ذلك السرير بوقاحةٍ، ناله في الحال من لدن القضاء الالهي ما كانت تستوجبه وقاحته من القصاص، فإن يديه الجريئتين قطعتا بضربة لم تُرى.
ولمّا وصلوا إلى القرية التي تدعى الجسمانية دفنوا هناك ذلك الجسم الفائق الطهارة ينبوع الحياة بوقار عظيم. ثم في اليوم الثالث لدفنه اجتمعوا لتعزية بعضهم بعضاً. ولما رفعوا جزء الرب يسوع من الخبز كعادتهم ظهرت والدة الاله في الهواء قائلة لهم “سلام لكم” فتيقن الرسل من ذلك بأن والدة الإله إنتقلت الى السماء بالجسد.
آمين


الحريّة الحقيقيّة والفن الراقي.

 

كثيرًا ما نسمع في عصرنا اليوم كلمة حريّة، أي "أنا حر". يقولها الشاب أو الشابة لذويه، ويقولها صاحب عمل فنّي للمجتمع، وإلخ.

ولكن، هل حقًا مَن يستعمل كلمة حريّة يدرك معناها؟ والمسؤولية تكون أكبر عند من يدّعي أنّه جامعيّ، وأكثر، خرّيج جامعة عريقة.

بالأساس كلمة Liberty libertas من liber تعني free will أي صاحب إرادة حرّة. وأتت التسمية من إله وثني Liber معادل ل Dyonisosو Teutonic Frey، بحيث أصبحت التسمية Liberator تجمع بين Liber و Freyr . وكانت تطلق على العبيد المحررين فكانوا يدعون liberi .

كذلك كلمة Freedom هي free (adj.) +-dom أي لا تسلّط. وتحمل نفس المعنى لل .Liberty

وفي اللغة العربية الحريّة هي من حر.

إذًا لهذا الكلمة معنى إيجابي دائمًا وليس سلبي بتاتًا. مِن هنا تطلق الكلمة قانونيًّا كحالة مدنيّة أو سياسيّة، وتوسعت لتشمل الاقتصاد وغيرها. واستعملت كتحرر من الرق والعبودية وكل أنواع الظلم والقهر.

ولكن، لم تكن يومًا الحريّة دون ضوابط. أي لا يحق لشخص أن يسبب الأذى لآخر باسم الحريّة، إذ لا تعد حريّة. ولا يحق لشخص أن يتصرّف على هواه في المجتمع، فلا يحترم إشارات السير مثلًا، أو يمشي باتجاه معاكس ويسبب الحوادث للغير باسم الحريّة. كذلك لا يحق لأي شخص أن يجرح شعور الآخرين باسم الحريّة، أو يعتدي على خصوصيّة الغير تحت شعار الحريّة، وأمثلة لا تحصى ولا تعد.

هذه كلّها مفاهيم دوليّة واضحة المعايير والمعاني.

ومَن قال إن الفن هو بلا ضوابط باسم الحريّة. في الأساس الفن هو تعبير راقي ينبعث من المشاعر والأحاسيس المرهفة وليس الغوغائيّة. الحضارات تفتخر بفنّها وتتباهى به، وحضارة دون فن ليست بحضارة.

للأسف الشديد، في عصرنا اليوم، كل هذه المفاهيم تفرّغ من معانيها وتلبس معان هي أصلًا بريئة منها.

فلا يحق مثلًا لمصوّراتي أن يلتقط صورة لشخص ويستعملها دون موافقته، حتى ولو جعل منه ملك جمال. ولا يحق لأي مخرج أو مؤلّف أو مطرب أن يدوس على معتقد الآخرين أو إيمانهم أو ثقافتهم أو رموزهم باسم الحريّة. هذا قانون عالمي حضاري، وكل من يخالف هذه الأمور يعتبر متسلّطًا ومحتلًا ومخالفًا للقوانين.

فالتسلّط والاحتلال والاعتداء لا يعني فقط جيش يحتل بلد آخر، بل يبدأ باحترام أصغر مشاعر الآخرين لأن كل إنسان هو حر، بمعنى له كيانه ومشاعره وثقافته ومعتقده ووجوده وخصوصيّته.

نهاية، من يتستّر كلّ مرّة خلف ستار الحريّة والفن، ومن يدافع عنه عن معرفة أو عن جهل، عن حقد أو عن انتقام، عن ردة فعل أو جرح، ليجرّح بالرب يسوع المسيح وبالإيمان المسيحيّ ورموزه وشعائره وصلواته وفنّه الكنسي النابع من إيمانه، نقول له أنت مخطئ جدًا، وأنت معتد لأنّك تجرح أكثر من ملياري مخلوق حيّ في العالم، وضف عليهم مليارات مِن البشر رقدوا، ومليارات سيأتون مِن بعدنا. ولا تنسى قوافل الشهداء والقديسون الذي استبسلوا بالدفاع عن إيمانهم، وتحملّوا أبشع أنواع العذابات ولم يستسلموا.

قد يكون مَن يعتدي على المسيحية جاهل، أو لا يدري، أو أو أو، ولكن عندما يُخبر تسقط كلّ حججه.

سنبقى نتعرّض كما تعرّضنا منذ بداية المسيحيّة، ولكن سنبقى نشهد ونوضّح وندافع ونستبسل، لأن إيماننا أمانة في أعناقنا، ولا تساهل في هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد.

ستبقى المحبّة انطلاقنا، واللقيا هدفنا، لأن كل وجه مهما كان موقفه هو وجه الله أدرك ذلك أو لم يدرك، وسنبقى نردد ونقول له: لقد تجسّد الله وصلب وقام مِن أجلنا جميعًا، أي مِن أجلك أنت أيضًا.

واليوم الذي ستكتشف فيه خلاصه وحلاوته ستصرخ بفرحٍ: ربّي يسوع المسيح، إلهي ومخلّصي.

إلى حين ذلك الوقت، سنبقى نحبّك وندعوك، ولكن لا يحق لنا أن ندعك تشتم إلهنا ونصفّق لك.

+أثناسيوس شهوان


f t g