• 1

  • 2

  • 3

  • 4

Copyright 2020 - Propriété AGOAP - 2014

✥ أحد جميع الْقِدِّيسِينَ (الأحد ١ بعد العنصرة):

 

إنَّ آباءنا الإلهيين أمرونا أن نكمّل هذا العيد بعد انحدار الروح القدس. كأنهم يوضحون لنا بطريقةٍ ما، وهي أن حضور الروح الكلّي قُدسه قد فعل بواسطة الرسل هذه الأفعال مقدّساً ومحكِّماً الذين هم من عجنتنا ومقيماً إياهم كي يملأوا تلك الطغمة الملائكية الساقطة ومرسلاً إياهم لله بالمسيح. بعضهم بالشهادة والدم وبعضهم بالسيرة المفضّلة والتصرّف. وصارت أشياء تفوق الطبيعة، فالروح انحدر بشكل نار مع ان له الميل إلى العلو طبعاّ. وأما التراب وعجنتنا فصعدوا إلى العلى اللذان لهما طبعاً الميل إلى أسفل. أما قبل مدّة، فإن الجسد المأخوذ لكلمة الله والمتألِّه، قد ارتفع وجلس عن يمين المجد الأبوي. وأما الآن فإنّه يجذب جميع المؤثرين، نظيرَ الرعد، وبهذا أظهر كلمة الله أفعال المصالحة، وما هي الغاية المقصودة من حضوره بالجسد إلينا وتدبيره. وهكذا قد يقتاد إلى محبة الله والاتحاد به الذين كانوا قبلاً مُقصَين أي الشعب الغير المحافظ من الأمم، بتقديم الطبيعة البشرية بعض النجوم المعتبرين فيها بطريقة سامية. فإذن لهذا المعنى نعيّد هكذا عيد جميع القديسين. ولمعنىً ثانٍ، من حيث إن كثيرين ارضوا الله بالفضيلة القصوى وهم غير مُسمَّين عند الناس لأجل أمر من الأمور البشرية، لكنهم قد حازوا مجداً كثيراً عند الله، أو لأنَّ كثيرين تصرَّفوا بما يختص بالمسيح في الهند ومصر والعربية وبين النهرين وفريجية وفي النواحي العالية من بحر الجُزر وأيضاً في كل نواحي المغرب إلى جُزر يريطانيا، وأقول على الإطلاق في المشرق والمغرب ولم يتيسَّر إكرامهم كلهم كما يجب، لأجل عدم المعرفة بهم، كما اعتادت الكنيسة، لكي ننال من قِبَلهم كلهم معونة وغوث، في أي مكان من الأرض أرضوا الله. وأيضاً على حسب ظنّي، انه لأجل العتيدين أن يصيروا قديسين، قد فرض الآباء الإلهيون أن نعيّد عيد جميع القديسين، مكرّمين ومحتوين جميع الأولين والآخرين الطاهرين وغير الطاهرين (جميع الذين سكنهم الروح القدس وقدَّسهم) أو لمعنىً ثالث. انه وجب أن القديسين الذين يُعيَّد لهم في كل يوم على انفراد، أن يُجمَعوا في يوم واحد، كي يظهر أنهم جاهدوا عن مسيح واحد وجميعهم اسرعوا ركضاً في ميدان الفضيلة ذاته وهكذا كلّهم كعبيد إله واحد تكلَّلُوا بواجب وأنّ هؤلاء أقاموا الكنيسة وكمّلوا العالم العلوي محرّكين إيانا أن نكمّل الجهاد نظيرهم، الذي هو كثير الأنواع ومختلف بمقدار ما عند كل أحد من القوة وأن نسرع بكل نشاط. لهؤلاء القديسين جميعهم الذين منذ الدهر عمَّر الملك لاون الكلّي الحكمة، الدائم الذكر، هيكلاً عظيماً نفيساً قرب هيكل الرسل القديسين بداخل القسطنطينية. وكما زعم البعض أنه أولاً كان قد عمَّر هذا الهيكل لامرأته الأولى ثاوفانو، لأنها أرضت الله للغاية. والأمر المعجز هو أنها كانت فيمَا بين القلق والانزعاج، وداخل القصور الملكية. فعندما كشف الملك للكنيسة ما قصده، رفضت الطاعة لإرادته أولاً، لأنها عرفت أمر الملك وثانياً لكونها احتسبت أنه ليس من الواجب أن تكرّم هكذا من الكنيسة التي كانت منهمكة أمس وأول من أمس بالخيالات الملوكية، حتى إنها تتجمَّل بهيكل عظيم الاحتفال، بديع الجمال، من دون أن يمنح لها الزمان الكرامة والاحترام. ويظهر أنها أرضت الله. فالملك الجزيل الحكمة برضى الكنيسة بأسرها أوقف هذا الهيكل الذي بناه لجميع القديسين الذين هم في كل أصقاع الأرض قائلاً: إن كانت ثاوفانو قديسة فلتعيِّد مع هؤلاء جميعهم. وأمّا أنا فأظنّ أنه هذا هو سبب البدء بأن يُعيَّد هذا العيد، مع أنه كان أولاً. فلهذا المعنى وضع في آخر التريوديون، ليكون لجميع الأعياد غلُقاً كالسياج. لأنه وإن كانت الكنيسة منذ الابتداء ابتدأت بحسن النظام والترتيب رويداً رويداً، وأُتقنَت جيداً وكما يجب. لكنه في أيام هذا الملك، بلغَت الكمال وترتَّبت، كما هي عليه الآن من النظام والترتيب. وأما التريودي، فلكي أتكلم باختصار فانه يحتوي داخله مخبّراً بترتيل جميع ما عمله الله لأجلنا بألفاظ يُعتجز نعتها. وعن سقوط الشيطان من السماء بسبب معصيته الأولى. وعن نفي آدم وتعدّيه الوصية وعن تدبير كلمة الله بأسره الصائر لأجلنا. وكيف أننا صعدنا أيضاً إلى السماء بوساطة الروح القدس، وأننا قد ملأنا تلك الطغمة الساقطة النت قد تُعرف بوساطة جميع القديسين. وليُعلَم أننا نعيّد الآن لجميع ما قدَّسه الروح القدس بعطيةٍ صالحة. وهذه العقول الفائق سموُّها المقدسة. هي التِسع طغمات الأجداد ورؤساء الآباء والأنبياء، والرسل الأطهار والشهداء، ورؤساء الكهنة والشهداء الكهنة الأبرار والأبرار الصدِّيقين وجميع مصافّات النساء القديسات وجميع القديسين الآخرين الذين لا أسماء لهم. وليكن معهم المزمعون أن يصيروا أخيراً. وقبل الكلّ وفي الكلّ ومع الكلّ، قديسة القديسين الفائقة القداسة والفائقة على كل قياس بزيادةٍ من الطغمات الملائكية مولاتنا وسيدتنا والدة الإله مريم الدائمة البتولية.
“كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الإنسان قدام ملائكة الله”: بدأ عيد جميع القديسين، تاريخياً، بعيد لجميع القديسين الشهداء بالتحديد، ولكن يمكننا اعتبار أن العيد هو عيد جميع القديسين لأن القديسين المجاهدين ولو لم يستشهدوا بالدم كانوا شهداء الحياة المسيحية، فكل إنسان يعترف بالمسيح أمام الجميع هو معرّض للشهادة، وغير مهم إن كانت الشهادة بالدم أو بالدموع. نفرح اليوم وسط حياة الكنيسة الليتورجية بحضور جميع القديسين “لنا سحابة من الشهود” (عبر 1:12)، “غسلوا ثيابهم وبيّضوا ثيابهم في دم الخروف” (رؤ 14:7). نعيّد في هذا اليوم لكل القديسين الذين عاشوا ملكوت الله على الأرض ودخلوا إلى حياة المسيح القيامية، ونكرّم هؤلاء الذين عاشوا سرّ التبنّي أي تصرّفوا كأبناء لله. نحتفل بهؤلاء الذين وصلوا إلى أعلى الدرجات ووصلوا إلى قمة فرح القيامة وأعطوا بذلك شهادة سلامية منعكسة من داخلهم نحو العالم أجمع من حولهم. وكما نقرأ في سنكسار اليوم: “نعيّد اليوم لجميع ما قدّسه الروح القدس… التسعة طغمات الأجداد ورؤساء الآباء والأنبياء والرسل الأطهار والشهداء ورؤساء الكهنة والشهداء الكهنة الأبرار والأبرار والصدّيقين وجميع مصاف النساء القديسات وجميع القديسين الآخرين”. موقع العيد أهم من تسميته فالكنيسة تعّيد لجميع القديسين مباشرة بعد عيد العنصرة، وبحيث يشكّل العنصرة آخر عيد في الدورة الليتورجية السنوية، وبهذا العيد ينتهي كتاب البنديكستاري، وأهميته تكمن أنه بنهاية الحياة بالمسيح يجب أن يتحقق هدف الحياة بالمسيح وهو قداسة الإنسان وتجديده لذلك تعيّد الكنيسة اليوم لثمارها أي قديسيها.
الشهادة والاعتراف: لكن يبقى السؤال ما هو الأمر الذي فعله القديسون حتى ينالوا كل هذا التكريم من الكنيسة؟، طبعاً الجواب بتطبيقهم لما سمعناه في إنجيل اليوم: “كل من يعترف بي قدام الناس اعترف أنا أيضا به قدام أبي الذي في السموات. ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضا قدام أبي الذي في السموات… ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني”. كلام الإنجيل ليس إلا إيقاظ لوعي أرثوذكسيتنا. وبالتالي عن ماذا تخلّينا من أجل محبة المسيح؟ ما هي الأشياء التي نحن مستعدون أن نقدمها للآخرين؟ كم عدد الشهداء الذين تقدموا من أجل البشارة بكلمته؟ طبعاً الأجابة خاصة بكل واحد منّا وكل من يقبل الله كأب له يمكن أن يجد الأجوبة الصريحة.
يسير على طريق القداسة كل هؤلاء الذين يجاهدون بقوة ومسؤولية ضدّ الأهواء محاولين تنقية وتطهير حياتهم الداخلية. يبارك المسيح هؤلاء الذين اقتنوا قلوباً نقية وَيَعِدهُم بأنهم سَيَرَون الله. يرتفع اليوم أمام أعيننا سلم إلى السماء، القداسة ليست نظام أو قانون ولأشخاص محددين ومحدودين. هي دعوة لنا جميعاً، القداسة هي ملء الحياة بالمسيح، هي العيش المشترك بين الله والإنسان. جسّد هذه القداسة وحققها جميع القديسين الذين نُعيّد لهم اليوم، تظهر القداسة في وجوههم كحقيقة مُعاشة وليس كشكل جميل، وبرؤيتنا لها نتعلم ولو بدون كلام، فهي جهاد وتعب وصبر وتواضع ودموع وحتى الدم لهؤلاء الذين استشهدوا من أجل المسيح “من أجل شهادة يسوع ومن أجل كلمة الله” (رؤ4:20).


 

﴿ الأحد ١٧ / ٥ / ٢٠٢٠ ﴾
☧ الأحد ٤ بعد الفصح ☧ ♱ أحد السّامريّة ♱
☧ المسيح قام حقًّا قام ☧ ☧ قيامةً مجيدةً وفصحًا مباركًا ☧ ♱ القدّيسان الرّسولان أندرونيكوس ويونيا ♱ ♱ القدّيسان البارّان نكتاريوس وثيوفانيس مؤسّسا دير برلعام في الميتيورا ♱ ♱ أبونا الجليل في القدّيسين أثناسيوس العجائبيّ الجديد ♱ ♱ القدّيس الجديد في الشّهداء نيقولاوس معاون الفرّان ♱ ♱ القدّيسة البارّة أفروسيني الموسكوفيّة ♱
☧ صباحًا: صلاة السّحر والقدّاس الإلهيّ ☧
☧ مساءً: صلاة الغروب، وصلاة النوم الصّغرى ☧
 اللحن ٤ - الإيوثينا ٧ 
♱  يُسمَحُ فيه بجميعِ أنواعِ المآكلِ ♱


✤ الرِّسَالَةُ اليَوْمِيَّةُ ✤
✤ للأحد ٤ بعد الفصح (أحد السّامريّة) ✤
✤ فصل من أعمالِ الرُّسُلِ الْقِدِّيسِينَ: (أع ١١: ١٩ – ٣٠)
الأصحَاحُ الحَادِي عَشَر
19- فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، لَـمَّا تَشَتَّتَ الرُّسُلُ مِنْ جَرَّاءِ الضِّيقِ الَّذِي حَصَلَ بِسَبَبِ اسْتِفَانُوسَ اجْتَازُوا إِلَى فِينِيقِيَةَ وَقُبْرُسَ وَأَنْطَاكِيَةَ، وَهُمْ لاَ يُكَلِّمُونَ أَحَدًا بِالْكَلِمَةِ إِلاَّ الْيَهُودَ فَقَطْ. 20وَلكِنْ كَانَ مِنْهُمْ قَوْمٌ، وَهُمْ رِجَالٌ قُبْرُسِيُّونَ وَقَيْرَوَانِيُّونَ، الَّذِينَ لَمَّا دَخَلُوا أَنْطَاكِيَةَ كَانُوا يُخَاطِبُونَ الْيُونَانِيِّينَ مُبَشِّرِينَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ. 21وَكَانَتْ يَدُ الرَّبِّ مَعَهُمْ، فَآمَنَ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَرَجَعُوا إِلَى الرَّبِّ. 22فَسُمِعَ الْخَبَرُ عَنْهُمْ فِي آذَانِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَأَرْسَلُوا بَرْنَابَا لِكَيْ يَجْتَازَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. 23الَّذِي لَمَّا أَتَى وَرَأَى نِعْمَةَ اللهِ فَرِحَ، وَوَعَظَ الْجَمِيعَ أَنْ يَثْبُتُوا فِي الرَّبِّ بِعَزْمِ الْقَلْبِ 24لأَنَّهُ كَانَ رَجُلاً صَالِحًا وَمُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَالإِيمَانِ. فَانْضَمَّ إِلَى الرَّبِّ جَمْعٌ غَفِيرٌ. 25ثُمَّ خَرَجَ بَرْنَابَا إِلَى طَرْسُوسَ لِيَطْلُبَ شَاوُلَ. وَلَمَّا وَجَدَهُ جَاءَ بِهِ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. 26فَحَدَثَ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا فِي الْكَنِيسَةِ سَنَةً كَامِلَةً وَعَلَّمَا جَمْعًا غَفِيرًا. وَدُعِيَ التَّلاَمِيذُ «مَسِيحِيِّينَ» فِي أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلاً. 27وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ انْحَدَرَ أَنْبِيَاءُ مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. 28وَقَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمُ اسْمُهُ أَغَابُوسُ، وَأَشَارَ بِالرُّوحِ أَنَّ جُوعًا عَظِيمًا كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَصِيرَ عَلَى جَمِيعِ الْمَسْكُونَةِ، الَّذِي صَارَ أَيْضًا فِي أَيَّامِ كُلُودِيُوسَ قَيْصَرَ. 29فَحَتَمَ التَّلاَمِيذُ حَسْبَمَا تَيَسَّرَ لِكُلّ مِنْهُمْ أَنْ يُرْسِلَ كُلُّ وَاحِدٍ شَيْئًا، خِدْمَةً إِلَى الإِخْوَةِ السَّاكِنِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ. 30فَفَعَلُوا ذلِكَ مُرْسِلِينَ إِلَى الْمَشَايِخِ بِيَدِ بَرْنَابَا وَشَاوُلَ.


✤ الإنجيل اليومي ✤
✤ للأحد ٤ بعد الفصح (أحد السّامريّة) ✤
✤ فصل شريف من بشارة القديس يُوحَنَّا: (يو ٤: ٥ – ٤٢)
الأصحَاحُ الرَّابِعُ
5- فِي ذَٰلِكَ الزَّمَانِ، أَتَى يَٰسُوعُ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ السَّامِرَةِ يُقَالُ لَهَا سُوخَارُ، بِقُرْبِ الضَّيْعَةِ الَّتِي وَهَبَهَا يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ ابْنِهِ. 6وَكَانَتْ هُنَاكَ بِئْرُ يَعْقُوبَ. فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، جَلَسَ هكَذَا عَلَى الْبِئْرِ، وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. 7فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ السَّامِرَةِ لِتَسْتَقِيَ مَاءً، فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ:«أَعْطِينِي لأَشْرَبَ» 8لأَنَّ تَلاَمِيذَهُ كَانُوا قَدْ مَضَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَبْتَاعُوا طَعَامًا. 9فَقَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ:«كَيْفَ تَطْلُبُ مِنِّي لِتَشْرَبَ، وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا امْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ؟» لأَنَّ الْيَهُودَ لاَ يُعَامِلُونَ السَّامِرِيِّينَ. 10أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهاَ:«لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ اللهِ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا». 11قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ:«يَا سَيِّدُ، لاَ دَلْوَ لَكَ وَالْبِئْرُ عَمِيقَةٌ. فَمِنْ أَيْنَ لَكَ الْمَاءُ الْحَيُّ؟ 12أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ، الَّذِي أَعْطَانَا الْبِئْرَ، وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ؟» 13أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهاَ:«كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا. 14وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ». 15قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ:«يَا سَيِّدُ أَعْطِنِي هذَا الْمَاءَ، لِكَيْ لاَ أَعْطَشَ وَلاَ آتِيَ إِلَى هُنَا لأَسْتَقِيَ». 16قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ إِلَى ههُنَا» 17أَجَابَتِ الْمَرْأَةُ وَقَالتْ:«لَيْسَ لِي زَوْجٌ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ:«حَسَنًا قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ، 18لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ، وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ». 19قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ:«يَا سَيِّدُ، أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ! 20آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ». 21قَالَ لَهَا يَسُوعُ:«يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ. 22أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ . لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ. 23وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. 24اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا». 25قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ:«أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ مَسِيَّا، الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ، يَأْتِي. فَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُخْبِرُنَا بِكُلِّ شَيْءٍ». 26قَالَ لَهَا يَسُوعُ:«أَنَا الَّذِي أُكَلِّمُكِ هُوَ». 27وَعِنْدَ ذلِكَ جَاءَ تَلاَمِيذُهُ، وَكَانُوا يَتَعَجَّبُونَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَعَ امْرَأَةٍ. وَلكِنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: «مَاذَا تَطْلُبُ؟» أَوْ «لِمَاذَا تَتَكَلَّمُ مَعَهَا؟» 28فَتَرَكَتِ الْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا وَمَضَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَتْ لِلنَّاسِ: 29«هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟». 30فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَتَوْا إِلَيْهِ. 31وَفِي أَثْنَاءِ ذلِكَ سَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: «يَامُعَلِّمُ، كُلْ» 32فَقَالَ لَهُمْ:«أَنَا لِي طَعَامٌ لآكُلَ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ أَنْتُمْ». 33فَقَالَ التَّلاَمِيذُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:«أَلَعَلَّ أَحَدًا أَتَاهُ بِشَيْءٍ لِيَأْكُلَ؟» 34قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ. 35أَمَا تَقُولُونَ: إِنَّهُ يَكُونُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ يَأْتِي الْحَصَادُ؟ هَا أَنَا أَقُولُ لَكُمُ: ارْفَعُوا أَعْيُنَكُمْ وَانْظُرُوا الْحُقُولَ إِنَّهَا قَدِ ابْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ. 36وَالْحَاصِدُ يَأْخُذُ أُجْرَةً وَيَجْمَعُ ثَمَرًا لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، لِكَيْ يَفْرَحَ الزَّارِعُ وَالْحَاصِدُ مَعًا. 37لأَنَّهُ فِي هذَا يَصْدُقُ الْقَوْلُ: إِنَّ وَاحِدًا يَزْرَعُ وَآخَرَ يَحْصُدُ. 38أَنَا أَرْسَلْتُكُمْ لِتَحْصُدُوا مَا لَمْ تَتْعَبُوا فِيهِ. آخَرُونَ تَعِبُوا وَأَنْتُمْ قَدْ دَخَلْتُمْ عَلَى تَعَبِهِمْ».
39فَآمَنَ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ كَثِيرُونَ مِنَ السَّامِرِيِّينَ بِسَبَبِ كَلاَمِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَشْهَدُ أَنَّهُ:«قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ». 40فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ السَّامِرِيُّونَ سَأَلُوهُ أَنْ يَمْكُثَ عِنْدَهُمْ، فَمَكَثَ هُنَاكَ يَوْمَيْنِ. 41فَآمَنَ بِهِ أَكْثَرُ جِدًّا بِسَبَبِ كَلاَمِهِ. 42وَقَالُوا لِلْمَرْأَةِ: «إِنَّنَا لَسْنَا بَعْدُ بِسَبَبِ كَلاَمِكِ نُؤْمِنُ، لأَنَّنَا نَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا وَنَعْلَمُ أَنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ».

Dimanche renouveau

أحد توما.
(أقوال آبائية في شكّ توما وإيمانه)

 

قال القديس غريغوريوس الكبير:
"توما، أحد الإثني عشر، المدعو التوأم، لم يكن معهم عندما جاء يسوع. كان الوحيد الغائب. عند عودته سمع ما جرى ورفض أن يصدّق. أتى الربّ ثانية وأعطى جنبَه للتلميذ المشكّك ليلمسه، وإذ أمسكه بيديه وأظهر له آثار جراحه، شفى جرحَ عدم إيمانه.
أيها المحبوبون، ماذا ترَون في هذه الأحداث؟ أفعلاً تظنّون أنّ هذا التلميذ كان غائباً صدفةً، ومن ثمّ أتى، وسمع وشكّك، وشكّك ولمَس، ولمس وآمَن؟ هذا لم يكن صدفة بل بتدبير من الله. إنّ رحمة الله رتّبت بطريقة عجيبة أن تُشفي جراح عدم إيماننا في لمس التلميذ المشكّك لجراح جسد سيّده. إذ لمس المسيح صرخ: "ربّي وإلهي".
قال له يسوع: "لأنّك رأيتني آمنت يا توما".

إن غياب توما عن التلاميذ، بعد القيامة، هو غيابنا نحن عن مسيح الرب، لنعود إليه بعد شقاء مسيرة العمر لنلمس وجوده الحق بأنه معلِّم حرّية القيامة. "طوبى للذين لم يروا وآمنوا".
المسيح قام حقاً قام


✥ سبت لعازر الصّدّيق:

 

«نوحك يا يسوع على صديقك هو خاصّة طبيعة مائتة بشرية، وإحياؤُك إياهُ بعد موتِه هو فعل قدرة متسامية إلهية». إن لعازر كان عبراني الجنس، فريسي البدعة، وابناً كما قيل لسيمون الفريسي. منشأه من قرية بيت عنيا. فلمّا كان ربنا يسوع المسيح مقيماً في الأرض لخلاص جنسنا، ارتبط معه بمحبة وصداقة، لأنه بحيث كان المسيح يتفاوض بتواترٍ مع سيمون الذي كان يعتقد بالقيامة من بين الأموات بالأكثر، وكان يتردّد إلى منزلٍه فأحبّ لعازر واتّخذه صديقاً له خصيصاً. وليس إياه فقط بل وأختَيْهِ مريم ومرتا. فلمّا اقتربت الآلام الخلاصية وكان يجب ان يحقق سر القيامة بأوفر تحقيق كان يسوع جائلاً في عبر الأردن بعد إنهاضِه من بين الأموات، أوّلاً ابنة يائيروس ثم ابن الأرملة. فوقع صديقهُ لعازر في مرض عضّال ومات فقال يسوع لتلاميذه مع إنه كان غائباً، إن لعازر صديقنا قد رقد، ثم بعد قليل قال إن لعازر قد مات. فترك الأردن ووافى إلى بيت عنيا. بما أن أختَيْ لعازر أرسلتا له خبراً بذلك وبُعْد بيت عنيا عن أورشليم نحو خمس عشرة غلوة. فلمّا قرُبَ استقبلتهُ أختا لعازر قائلتين: يا رب، لو كنت ههنا لما مات أخونا، لكن، والآن إن شئت فتقيمهُ لأنك قادر على ذلك. فسأل يسوع الجمع أين وضعتموهُ، فللحين تقدّم جميعهم إلى اللحد ورُفع الحجر. فقالت مرتا: يا رب، قد انتن لأن له أربعة أيام. فصلى يسوع وذرف عبرات على الطريح ميتاً، ونادى بصوت عظيم: يا لعازر هلمّ خارجاً، فخرج الميت للحين وأطلق. وتوّجه إلى منزله. فهذه المعجزة الغريبة حركت شعب العبرانيين إلى الحسد وجعلتهم أن يزأروا بجنون على المسيح. فأمّا يسوع فهرب ثانياًَ إلا أن رؤساء الكهنة ارتأوا أن يقتلوا لعازر أيضاً لأن كثيرين لما نظروهُ آمنوا بالمسيح. أمّا ذاك فلمّا عرف قصدهم هرب إلى جزيرة قبرص وأقام هناك، ثم أخيراً انتُخب من الرسل رئيس كهنة على مدينة الكيتيين. وبعد أن تصرّف بسيرة مرضية لله مات ثانياً بعد ثلاثين سنة من إعادة حياتِه ودُفن بعد أن اجترح عجائب غزيرة. ثم إنه على ما يقال بعد إعادة حياته، ما كان يأكل شيئاً بدون حلو، وأن الاموفوريون الذي كان يلبسهُ قد عملتهُ أم الإله الكلية الطهر بيديها وألبستهُ إياهُ. ثم إن جسدهُ المكرم والمقدس نقلهُ من هناك لاون الملك الكلي الحكمة وذلك بسبب رؤية إلهية وأحضرهُ بتوقير وإجلال إلى الهيكل الذي كان بناهُ على اسم القديس في القسطنطينية ووضعهُ في الجهة التي تصادف على يمين الداخل إلى الهيكل عند جدران الهيكل الشريف التي قدّام. ولم يزل جسمهُ الكريم باقياً للآن يفوح عرفاً ذكياً جداً. وقد رُتّب أن يعيّد لقيامتِه في هذا النهار لأن آباءَنا القديسين المتوشحين بالله وبالأحرى الرسل القديسين لما ازمعوا أن يضعوا بعد الصيام الأربعيني آلام ربنا يسوع المسيح لأجل التنقية فبحيث وجدوا أن هذه العجيبة كانت بدءاً وسبباً بالأكثر لهياج اليهود بجنون على المسيح لذلك وضعوا ههنا هذه المعجزة الباهرة. والسبب في أن يوحنا الإنجيلي فقط حرّر عن ذلك والبقية تركوه هو على ما يبدو أن لعازر لما حرّر أولئك أناجيلهم كان حياً ومنظوراً. ثم إنه يقال أن لهذا السبب أيضاً حرّر يوحنا إنجيلهُ كما حررهُ وذكر عن ولادة المسيح الأزلية مع أن الآخرين ما ذكروا عن ذلك هكذا صريحاً، لأن هذا كان يُطلب تصديقهُ والإقرار به وهو أن المسيح رغم طبيعته البشرية كان إلهاً وابن الله. وأنه قام. وأن ستحصل قيامة الأموات، الأمر الذي يُصدّق بالأكثر بواسطة لعازر. ثم إن لعازر لم يتفوّه بشيءٍ عمّا في الجحيم وذلك أمّا لكونِه لم يُسمَح له أن يرى ما هنالك وأمّا أنه نظر لكنه أومر أن يصمت عمّا نظره. فمنهُ أيضاً كل إنسان ميت يُسمى حتى الآن لعازر وأثواب التكفين تُدعى لعازريات رمزاً عن تذكار لعازر الأول، بحيث كما أن ذاك قام بكلمة المسيح وعاد إلى الحياة ثانياً هكذا والآن وإن مات الإنسان إلا أنه سيقوم في البوق الأخير كما نقرأ في سفر الرؤيا ويحيا إلى الدهر. ينتهي الصوم بمعناه الحصري, يوم الجمعة الذي يلي الأحد الخامس من الصوم, إذ تنتهي فترة الأربعين يوماً وتمتد فترة الآلام من نهاية الصوم هذه وحتى عيد القيامة, يوم السبت العظيم, وهكذا تشمل السبت الذي يلي الأحد الخامس من الصوم المدعو بـ"سبت لعازر" والأيام الستة الأولى من الأسبوع العظيم. يحتل سبت لعازر مكانة خاصة في السنة الليتورجية. إنه يقع خارج أيام الصوم الأربعيني, وكذلك خارج أيام الأسبوع العظيم الأليمة. يشكل هذا السبت مع أحد الشعانين الذي يليه مقدمة فرحة لأيام الآلام. ويجمعه هذا الموقع الجغرافي بأحد الشعانين, إذ أن بيت عنيا هو, في آن, مكان قيامة لعازر ونقطة انطلاق يسوع في صعوده إلى أورشليم. إنه مرتبط بصورة سرية بقيامة المسيح نفسه, ويلعب دور النبوءة المحققة. ويمكننا القول بأن لعازر يظهر لنا على عتبة أعياد الفصح كسابق ليسوع المسيح الغالب الموت, كما هو شأن يوحنا المعمدان, عشية عيد الظهور, بحيث ظهر كسابق للمسيح, وعلاوة على المدلول الأساسي لقيامة لعازر فإن مظاهر ثانوية يمكن التوقف عندها لتكون موضوعاً مفيداً للتأمل. لا تمت الرسالة التي تتلى في القداس الإلهي بصلة لقيامة لعازر ولكن إحدى آياتها تنطبق على رأفة يسوع على لعازر. وتشمل الرسالة وصايا أخلاقية مختلفة: الاستمرار على المحبة الأخوية, استضافة الغرباء, عدم تدنيس الزواج, طاعة الرؤساء "إلهنا نار آكلة", "لا أخذلك ولا أهملك", "إن يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد", لأن أسمى الحقائق الروحية لا تنفصل عن المقتضيات العملية البسيطة التي تنبثق عنها بالضرورة. يسرد الانجيل حادث قيامة لعازر. وتعطينا أناشيد السحر تفسير الكنيسة لهذه القيامة :" سبقت يا مخلصي فحقق قيامتك المجيدة لما اعتقت من الجحيم لعازر.....", إنها حسب قول النشيد "تحقيق" مسبق لقيامة المسيح, وامتحان أولي لقدرة المسيح على الموت. ثم تربط الكنيسة بين غلبة المسيح هذه على الموت ودخوله الاحتفالي إلى أورشليم الذي سنحييه غداً. تعلن أيضاً قيامة لعازر قيامة الموتى التي هي نتيجة لقيامة يسوع "لقد أقمته يا مانح الحياة مؤكداً بذلك قيامة العالم...". سبت لعازر هو بمعنى عيد لكل الأموات, إذ يعطينا المجال لنؤكد ونوضح إيماننا بالقيامة. وينبهنا السيد بكلامه الموجه إلى مرتا إلى تعليم مهم جداً متعلق بالأموات. فقال لها يسوع: "أنا هو القيامة". إن إيمان مرتا كان خاطئاً في ناحيتين: كانت تتكلم عن قيامة تتم في المستقبل فقط, ولم تدرك هذه القيامة إلا بالنسبة إلى نوع من القانون العام. لكن يسوع يؤكد أن القيامة هي حدث حاضر منذ الآن لأنه هو القيامة والحياة. يعيش الراقدون بالمسيح وفيه. وإذا أردنا الاتصال روحياً بأحد احبائنا الراقدين, فلا نسعين إلى أن نحييه في مخيلتنا, بل علينا أن نتصل مباشرة بيسوع, وهنالك ففي يسوع نجده. إن قيامة لعازر تكوّن أيضاً تصويراً رائعاً للعقيدة بشخص المسيح, إذ تبين كيف تتحد في شخص يسوع الطبيعتان الإلهية والإنسانية بدون اندماج. وهكذا نجد أن الإنسان في يسوع يتأثر ويبكي لموت صديقه, ولكنه من جهة أخرى نرى أن الله في يسوع يأمر الموت بسلطان. أخيراً تحث قيامة لعازر الخاطئ على الرجاء بأنه حتى لو مات روحياً, سيحيا من جديد. هذه القيامة الروحية كثيراً ما تبدو لنا كقيامة لعازر مستحيلة, لكن كل شيء ممكن بالنسبة ليسوع: إعادة الخاطئ, القاسي القلب, كما إقامة الموتى: "فقال يسوع: إرفعوا الحجر...."
نريد ملاقاة يسوع وأن نبدأ هذا الأسبوع العظيم برفقته. إنه يدعونا وينتظرنا. دعت مرتا أختها سراً قائلةً: "المعلم حضر وهو يدعوك" . المعلم يدعوني. يريد ألا افارقه في أيام آلامه. يريد أن يعلن ذاته في تلك الأيام إليَّ – وقد أكون أنتنت - بطريقة جديدة وسامية. هاءنذا يا معلم!
فبشفاعات لعازر صديقك أيها المسيح الإله ارحمنا آمين.


+التوبة الصادقة+
هكذا تكلَّمت مريم المصرية مخاطبةً والدة الإله:

 

"أيتها السيّدة، والدة الإله، يا من ولدت بالجسد الإله الكلمة، أنا أعرف، وأعرف جيداً، أنه ليس يشرِّفك أن يرفع إنسان فاسد، عينيه إلى أيقونتك، يا دائمة البتولية، يا من حَفِظَتْ جسدها ونفسها نقيّين. إني لَعَنْ حق أبعث على القرف بإزاء نقاوتك العذراوية. لكنّني سمعت أن الله الذي ولد منك. إنّما تجسّد ليدعوا الخطأة إلى التوبة. فساعديني، إذاً، لأنه ليس لي معين سواك. مري أن ينفتح مدخل الكنيسة أمامي. إسمحي لي أن أعاين العود الكريم الذي عليه تألم بالجسد من ولد منك وبذل دمه المقدّس لافتداء الخطأة وإياي أنا غير المستحقة. إشهدي عليّ أني لن أُنجِّس جسدي، بعد اليوم، بدنس الدعارة، بل حالما اسجد لعود الصليب سأنبذ العالم وتجارب العالم وأتوجّه إلى حيث تقودينني".

إنّ قصّة مريم المصرية تعلّمنا أنّ التوبة الحقيقيّة تخلّص الإنسان وتمحو خطاياه كلّها مهما كانت، فهي تطهير للنفس، وبمثابة معموديّة ثانية لأنّ الذي دنّس معموديّته بالخطايا يعيدها إلى بهائها الأول عن طريق التوبة.
بها خلّص الكثيرون من الناس وأصبحوا قدّيسين على مِثال مريم المصريّة التي كانت إمراة زانية ولكن بتوبتها وجهادها النسكي كرّمها الله وقدّسها وأهّلها لملكوت السماوات.


آمين


 

تذكار القدّيسة مريم المصريّة


في الأحد الخامس من الصوم نُقيم تذكار القدّيسة مريم المصريّة والقراءة الإنجيليّة من إنجيل مرقس (10: 32- 45).

هذا الأسبوع هو الأحد ما قبل أحد الشعانين أو الدخول إلى أورشليم وبدء الآلام الخلاصيّة التي تنتهي بالصليب ومن ثمّ تكتمل بالقيامة المجيدة.

لقد بدأ الربّ بتهيئة تلاميذه بالقول لهم عما سيحدث له. الربّ يسوع، له المجد، يعلم كلّ العِلم ويرى مُسبقاً أن نفوس تلاميذه سوف تضطرب بسبب آلامه، لذلك سبق وأخبرهم عن آلامه ولكن عن قيامته المجيدة أيضاً. "ابن البشر يُسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه إلى الأمم فيهزأون به ويبصقون عليه ويجلدونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم". لقد كشف سرّ آلامه الخلاصيّة إلى أولئك الذين كانوا قريبين منه وعلى صلة وثيقة به، أي تلاميذه الاثني عشر.

عند الاقتراب من أورشليم، يدنو إليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدى يسألانه طالبَين: "أعطنا أن يجلس أحدنا عن يمينك والآخر عن يسارك في مجدك". لقد اعتقد هذان التلميذان أنه كان ماضيًا إلى مملكة أرضيّة وأنّه سيحكم من أورشليم، لذلك سألوا هذا الإمتياز بالجلوس في المقاعد الأولى. لقد طلبوا هذا لأنّهم افترضوا أنّ كلّ شيء قد انتهى وأنّ العمل بأكمله قد تمَّ. (يوحنا الذهبي الفم).

لقد أساء التلاميذ فهم رسالة الربّ يسوع وظنّوا أنّه يسعى إلى مملكة أرضيّة، وأنّه سوف يكون للتلاميذ مناصب فيها لذلك غضب بقيّة التلاميذ العشرة على يعقوب ويوحنا لانفرادهما بهذا الطلب ولهذا الامتياز من الربّ يسوع دون سواهما.

لقد كان جواب الربّ يسوع على طلب يعقوب ويوحنا بسؤالهما: "أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا وأن تصطبغا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا؟"، أنتما تطلبان وتتوقان إلى الشرف والمجد بينما أنا أدعوكما إلى الموت!

"هنا المسيح يدعو صلبه بالكأس وموته بالمعمودية. لقد دعا صلبه بالكأس لأنّه كان ماضياً إليها طوعيّاً وبفرح. ودعا موته بالمعمودية لأنّه بواسطتها سوف يُطهِّر العالم بأسره". (القديس يوحنا الذهبي الفم).
لقد تنبّأ التلميذان بمصيرهما قائلَين له " نعم نستطيع". وهذا ما حدث بالفعل إذ اقتبل كلاهما الكأس والمعموديّة، أي الشهادة. فالقدّيس يعقوب استشهد بقطع الرأس في أورشليم حوالي 45 للميلاد والقديس يوحنا عاش الاضطهاد في روما ونُفي إلى جزيرة بطمس.

نقرأ من استشهاد القديس بوليكربوس تلميذ القديس أغناطيوس الأنطاكي أنّه يوم استشهاده وأثناء تعذيباته رفع عينيه إلى السماء وقال: " أيها الربّ الكليّ القدرة، أباركك لأنّك أهّلتني في هذا اليوم وفي هذه الساعة لأكون من عداد شهدائك ومن مساهمي (مشاركي) كأس مسيحك لقيامة الروح والجسد في الحياة الأبديّة بدون فساد".

لقد أوضح الربّ لتلاميذه أنّ حبَّ الرئاسة والسلطة هو من صفات أسياد هذا العالم، وعلّمهم قائلاً: "الكبير فليكن خادماً والأول فليكن عبداً للجميع. وذلك لأنّ ابن البشر بذاته "لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدُم وليبذل نفسه فداءً عن كثيرين". هذه سلطة الخدمة ورئاسة المحبّة والتضحية التي قدَّمها الربّ يسوع مثالاً لتلاميذه.

اليوم نُقيم تذكار القدّيسة مريم المصريّة وهي كانت فتاة من الإسكندرية عاشت في القرن الرابع للميلاد وكانت تعيش حياة الخطيئة، حاولت مرّةً الدخول إلى كنيسة القيامة في أورشليم فشعرت بقوّة غير منظورة كانت تمنعها من الدخول بسبب عدم استحقاقها. هناك كانت نقطة التحوّل ورحلة العودة بالتوبة إلى الله. تركت المدينة وجازت نهر الأردن ودخلت إلى البرّيّة وعاشت وحدها مع الله الذي أصبح معشوقها وقضت حوالي 47 سنة في البرية في حياة نسك وجهاد، لقد قَبِلت القدّيسة مريم المصرية أن " تشرب الكأس التي شربها السيّد وأن تصطبغ بالصبغة التي اصطبغ بها". لقد قبلت أتعاب النسك طوعاً واختيارياً، لقد حَمِلتْ صليب النسك الذي يُسمّى في كنيستنا "بالشهادة البيضاء". نقرأ من سحر الأحد: " لقد ألجمتِ كلّ نهضات الجسد بالأتعاب النسكيّة، وأوضحتِ معقول نفسك شهماً لأنّك مذ صبوتِ إلى مشاهدة صليب الربّ صَلبتِ ذاتك للعالم يا دائمة الذكر لذلك أنهضتِ نفسك نحو مغايرة السيرة الملائكيّة".

لقد أدركت القدّيسة مريم المصريّة، على خلاف يعقوب ويوحنا أن "ليس ملكوت السموات طعاماً وشراباً بل برٌّ ونسكٌ مع قداسة". أن ملكوت السموات والجلوس عن اليمين واليسار يُقتنى من خلال عيش الفضيلة بالنسك والقداسة وليس امتيازاً يُعطى بمجرّد الطلب والسؤال.

في هذا الأحد الخامس من الصوم ونحن على عتبة الآلآم الخلاصية ما زال الوقت كافياً للعودة إلى الله بالتوبة الصادقة، على غرار توبة القدّيسة مريم المصريّة، هذه التوبة التي تُترجم فعليًّا من خلال أتعاب الصوم والصلاة والنسك حتى نؤهَل أن نُشارك الربّ في مجده وقيامته. آمين.

+ باسيليوس
متروبوليت أوستراليا، نيوزيلندا والفيليبيّن


أحد أبينا البار يوحنّا السّلّميّ السينائي:

 

إن يوحنا الذي وفي حياته كان مائتاً بالجسد، ولئن ظهر الآن ميتاً فاقد النسمة فهو حي إلى الأبد. وإذ ترك مؤلَّفه الذي به ارتقى إلى العلاء وصعد، أعلن به جلياً منهج الصعود العلوي لكل أحد.

هذا البار كان ابن ست عشرة سنة ذا حذاقة وذكاء، صعد إلى طور سينا وقدم ذاته لله ضحية شريفة. ثم بعد تسع عشرة سنة قام وأتى إلى ميدان الصمت والهدوء وبلغ إلى دير الجهاد بعيداً عن دير الطور الكبير خمس غلوات واسم المحل ثولاس فصرف فيه أربعين سنة ملبهاً على الدوام بعشق حار وبنار المحبة الإلهية. فكان يأكل كل ما يسمح لرتبته بدون مذمة إلا أن أكله كان قليلاً جداً وبدون أن يمتلئ بازدياد كاسراً بذلك على ما أرى قرن الصلف بحكمة كلية. لكن أي عقل يستطيع أن يدرك ينبوع دموعه ثم أنه كان يتناول من النوم ما به جوهر العقل يستطيع فقط أن يُحفظ سالماً من أضرار السهر وكان سعيه صلاة متواصلة على الدوام وعشقاً نحو الإله لا يُقدر. فبعد أن عاش بهذه الأعمال جميعها وألف السلم وبسط أقوالاً تعليمية مملوءة تهذيباً تنيح بالرب باستحقاق واجب في السنة الستمائة والثلاث والثمانين بعد أن ترك مؤلفات أخرى كثيرة. ثم أن تذكاره يكمل في الثلاثين من شهر آذار وقد يُعيد له في هذا النهار على ما أرى لسبب أنه من بدء الصيام اعتيد أن يُتلى سلم أقواله في الأديرة الشريفة. فبشفاعاته اللهم ارحمنا وخلصنا آمين.

ميلادُهُ: ولد يوحنا، كما يبدو, في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي.
ترهبُهُ: بعد أن بلغ يوحنا السادسة عشر، وتلقّى من العلم قدراً وتفتح ذهنه، مجّ مفاتن حياة البطلان، حبّاً بالله، وطلب جبل سيناء. حيثُ تكثرُ المناسك والأديرة الرهبانية.

ومنذ أن دخل حلبة الصراع الرهباني تخلّى عن كل ثقة بالنفس وسلك في أتضاع القلب مسلماً ذاته، في الجسد والروح، إلى شيخ اسمه مرتيريوس، وشرع بلا همّ، يرتقي سلم الفضائل. همُّه الأوحد أضحى أن يتخلّى عن مشيئته الخاصة.

تنسُّكُهُ: أمضى يوحنا، تسعة عشر عاماً بلا همّ، سالكاً بالطاعة، محفوظاً بصلاة أبيه الروحي، فلمَّا رقد معلّمه في الرب قرّر مواصلة ارتقائه في الوحدة، بعدما ترسّخ في الاتضاع، عبر العزلة الكاملة حتى لا يُوجَد محروماً ولا للحظة من عذوبة الله. حتى في هذا الأمر لم يعتمد على رأيه الذاتي بل على نصيحة شيخ آخر قدّيس، يُدعى جاورجيوس، أطلعه على نمط الحياة الخاصة بالهدوئيين. وقد اختار يوحنا, لذلك، موضعاً معزولاً يُعرف بـ "تولا" على بعد خمسة أميال من الدير الكبير.

لازم يوحنا المكان أربعين سنة مشتعلاً بحب الله المتنامي في قلبه أبداً لم يشغله خلالها شيء غير الصلاة المتواترة ويقظة القلب كمثل ملاك بالجسد. كان يحدث له أحياناً أن يُخطف في الروح وسط الأجواق الملائكية دون أن يعرف ما إذا كان، ساعتذاك، في الجسد أو خارج الجسد. وبحرّية بالغة كان يطلب من الله أن يلقّنه أسرار اللاهوت. ولما كان يخرج من أتون الصلاة كان يشعر بالنقاوة تارةً، كما لو خرج لتوّه من النار، وتارةً أخرى يلتمع ضياءً.

رئيساً لدير سيناء: لما أكمل قدّيسنا سنواته الأربعين مقيماً في البرّية كموسى آخر، اختير رئيساً لدير سيناء. فكان راعياً ممتازاً وطبيباً حاذقاً ومعلّماً حاذقاً يحمل في نفسه الكتاب الذي وضعه الله فيه حتى لم يعد في حاجة إلى كتب أخرى يُلقّن رهبانه بواسطتها علم العلوم وفنّ الفنون. صيت دير سيناء ذاع لنمط حياة رهبانه، الذي وضعه لهم رئيسهم الفاضل. هذا ما جعل من الدير منارةً لكل الرهبان والحجاج الذين راحوا يأتونه من كُلِّ حدبٍ وصوب.
مؤلفاته: لمَّا ذاع صيتُ الحياة الرهبانية ونمطها في دير سيناء، بفضل حكمة ودراية القديس يوحنا، كَتَبَ يوحنا رئيس دير رايثو، إلى قدّيسنا يطلب منه أن يكتب، بصورة واضحة ومنظمة ومقتضبة، ما هو ضروري لنوال مقتبلي الحياة الملائكية الخلاص. على هذا انبرى يوحنا يُحرِّر ألواح الناموس الروحي فكان ثمرة جهده كتاب "السلَّم إلى الله" الذي أضحى في الأدب النسكي، مرجعاً كلاسيكياً أساسياً في أصول الحياة الروحية، على مدى الأجيال.
رُقادُهُ: بعد سني الجهاد المضني، لبلوغ حياة القداسة، عيَّن يوحنا أخاه جاورجيوس رئيساً للدير بعد أن شعر بدنوِّ أجله. وهكذا أسلم روحه مودعاً إياها بين يدي الأب السماوي، لتنعمَ بالبركة والمحبَّة السماوية حيثُ السلام الذي لا بديل عنه، مهما علا شأن البديل. زمن رقاده غير معروف، لكنه على الأرجح ما بين القرن السادس والنصف الأول من القرن السابع للميلاد.


 

التهيئة لاستقبال عيد البشارة

 

تُعيِّدُ الكنيسةُ المقدّسةُ غداً لعيدِ بشارةِ والدة الإله مِنَ الملاكِ جبرائيل بأنّها ستَلِدُ ابنَ الله.

هذا الحدثُ ذو أهميَّةٍ عُظمى لأنَّه "بَدْءُ خلاصِنا وإعلانُ السرِّ الذي قبل الدُّهور، فإنَّ ابنَ الله يصيرُ ابنَ البتول" كما تُعلِّمُنا ترنيمةُ العيد. أي أنَّه يَصيرُ ابنَ البشر، ويتَّخذُ طبيعتَنا.

 

ما يلفتُنا، أنَّ هذه الفتاةَ العذراءَ كانت مُختلِيَةً بذاتها ومُنصرفةً إلى التأمُّل بالإلهيات ورفْعِ الصلوات حتى استحقَّتْ أنْ تُعاين المَلاك.

ما يُذكِّرُنا بأنّنا نحنُ البشرَ لا نستطيعُ أنْ نُعاينَ الإعلانات السَّماويَّة ولا أَنْ نُدركَها إذا كُنّا مُنشغِلين بالإعلاناتِ الأرضيَّة والأخبارِ العالميَّة.

"فإنَّ أبي لا يزال يَعمَلُ (في العالم) وأنا أَعملُ" (يوحنا ٥: ١٧) فمَنْ يا تُرى يستطيعُ أنْ يُعايِنَ أعمالَ اللهِ ويدرك حكمتَهُ، فيرفعُ لهُ الشُّكرَ والتمجيد اللائقَين؟

"فامنحنا أنْ نَجوز َليلَ هذا العُمر الحاضر كُلِّه بقلبٍ ساهرٍ وعَقلٍ مُستيقِظٍ مُنتظرِينَ حُضورَ النهارِ السَّاطعِ البهيِّ ... لكَي لا نُوجَدَ ساقطينَ وغافِلينَ بلْ ساهرينَ وقائِمِيْن في العَملَِ بوصاياك ومُستعدِّينَ للفرح.
لأنّكَ أنتَ النُّورُ الحقيقيُّ الذي يُنيرُ ويُقدِّسُ الكُلَّ ولكَ نُسبِّحُ جميعُنا إلى دهر الدّاهرين، آمين" (صلاة الساعة الثالثة).

 

باريس في ٢٤ آذار ٢٠٢٠

+++++

LA PRÉPARATION À LA FÊTE DE L’ANNONCIATION
 
La sainte Eglise fête demain l’Annonciation à la Sainte-Mère de Dieu par l’ange Gabriel qu’elle enfantera le Fils de Dieu.
 
Cet événement revêt une importance considérable car il constitue « le début de notre salut et la manifestation du Mystère qui est avant les siècles : le Fils de Dieu devient le fils de la vierge », comme nous l’enseigne le tropaire de la fête. Il devient fils de l’homme et prend notre nature.
 
Ce qui est à remarquer, c’est que la jeune fille vierge était retirée, isolée. Elle se vouait aux contemplations des choses divines et à la prière, méritant ainsi de voir l’ange.
 
Cela nous rappelle que nous, les humains, ne pouvons voir les révélations célestes, ni les comprendre, si nous sommes occupés par les révélations terrestres et les nouvelles du monde.
 
« Mon Père agit jusqu'à présent [dans le monde] ; moi aussi, j'agis. » (Jn 5, 17). Qui donc peut voir les œuvres de Dieu et réaliser Sa Sagesse, afin qu'il puisse Le louer et Le glorifier convenablement ?
 
« Accorde-nous, Maître, de traverser toute la nuit de cette vie avec un cœur vigilant et un esprit sobre dans l’attente du jour lumineux et éclairé ; afin que nous ne nous trouvions pas tombés dans l’indolence, mais vigilants, accomplissant tes commandements et prêts pour la joie.
Car toi, Seigneur, Tu es la lumière véritable qui illumines et sanctifies tout homme et nous Te rendons la louange pour les siècles des siècles, Amen. » (office de tierce)
 
Paris, le 24 mars, 2020


 

الكورونا وبرج بابل
الأب أنطوان ملكي

 

تبدأ الكنيسة الأرثوذكسية الأسبوعَ الرابع من الصوم بالسجود للصليب المقدس، وهي بذلك تشدد على أن الصليب في وسط الأرض كما هو في وسط الصوم. في صلاة المساء من يوم الخميس في هذا الأسبوع، بعد أن ترتل الكنيسة "إذ قد استحقينا أن نشاهد صليبك المقدس ونصافحه بفرح"، تقرأ قصة برج بابل من كتاب التكوين (1:10-9).

في هذه القصة، نتعلّم كيف انتشر الجنس البشري على وجه الأرض. لأن البشر، في كبريائهم، رغبوا ببناء برج طويل يصل إلى السماء، لكن الله بلبل ألسنتهم. إن هذه الرواية هي نقطة تحول عظيم في تاريخ البشر الذين بعد الطوفان مالوا عن الله وسعوا إلى تمجيد جهودهم الخاصة، متناسين السلام الداخلي الذي منحهم إياه الله بعد الطوفان. لهذا يفهم المسيحي أن تنوّع لغات البشر هو رحمة كبيرة من الله، إذ منعهم من التكاتف معًا من أجل الشر، وعلّمهم التواضع. من هنا أن ارتفاع الصليب بدلاً من البرج هو لتذكير الإنسان بأن علاج الطرد من الجنة هو بهذا الصليب، وليس بأي أمر آخر.

 

العديد من آباء الكنيسة حكوا عن برج بابل منذ القديس أفرام السرياني إلى اليوم. القديس يوحنا الروماني[1] الراقد حديثاً في 1960، يحدّثنا بكلام نفهمه جيداً لأنه من عصرنا. للقديس رسالة بعنوان "برج بابل اليوم" من كتاب سيرته يقول فيها:
"بعد الطوفان ابتعد الناس مجدداً عن الله، ولأنهم ابتعدوا صاروا مجدداً يتوقّعون طوفاناً. لهذا قرروا بناء برج بابل أو القلعة البابلية. وقد شاؤوا أن يبنوها أعلى من الغمام حتى لا تعود المياه مصدر تهديد لهم. وبسبب هذه العتاهة بعثر الله ألسنتهم وما عادوا قادرين على إتمامه.
الناس في هذا العصر ليسوا أفضل من ناس ذاك الزمان. اليوم، الجميع يعرفون أنهم ابتعدوا عن الله، وهم يتوقّعون عقاباً من السماء. ولكنهم بدلاً من اختيار فلك الخلاص، أي الكنيسة، بالإيمان القويم والتوبة، وبدلاً من السعي إلى الله، هم متسمّمون بالحضارة يبنون من جديد برجاً لأنفسهم كما في بابل قديماً. إن ’برج بابل’ زماننا ليس بناءً من حجر وقرميد، بل هو السباق المحموم إلى الاختراعات.


يقول الناس أن اختراع السيارات والأسلحة جعل حياة الإنسان أكثر سهولةً وضَمِن أمانها، أي حفظه. ولكن كم هو خاطئ هذا الرأي! في النهاية، واضح جداً أن على قَدْر تحديث العالم وزيادة الاختراعات ازداد الشر وصارت حياة الإنسان أكثر مرارة ومحفوفة بالمخاطر. لم يكن الناس يوماً ملتاعين من القلق واليأس كما في أيامنا، عندما ازدادت الحضارة.


وكما ترون، إن هذه الحضارة الزائدة بأزيائها الجديدة، علّمت الناس بأن يتجولوا عراة، أي أنها قضَت على الحياء فيهم. لقد علّمت الناس أن يكفّوا عن البحث عن الله أي أنها أخمدت الإيمان المقدس. لقد علّمت الجكام أن يخدعوا الشعب بِمَكر، وأن يستعبدوهم بشكل أكثر لا إنسانية من أيام فراعنة مصر. بتعبير آخر، إن العطش إلى الحضارة قمع الحقيقة وحرية الناس. إن الحضارة الكاذبة علّمت الناس كيف يخترعون، أي اختلقت الأسلحة الأكثر رعباً لمسح الناس وبالتالي أطاحت بالمحبة خارجاً من العالم.


العلم الحديث أتاح للإنسان أن يطير في الهواء ويسافر على الماء في قلاع عائمة. العلم أعطى الإنسان جناحي طير ورِجلين من حديد لكي يندفع على طريق الباطل ولكنه سدّ عليه طريق الصلاة. لقد بنى العلم الحديث أبنية عملاقة على طريق الكنيسة فيما عبّد بالأسفلت طريق المعصية ورشّها بالزهور. بفضل سرعة السيارات قصرَت المسافات بين البلدان وتقاربت آذان الناس بالهواتف والراديو. الفنون الحديثة دللت الأجساد وقرّبتها لكنها أبعدت الله عن القلوب. العقل تقدّم لكن القلب بَرَد. العلوم أخصبَت لكن الإيمان يعاني الخسران. حضارة اليوم قصّرَت ثياب الناس وقصّت ذقونهم وشعرهم ومن ثم مَحَت الأديار عن وجه الأرض.


وهكذا باختصار، هذا الخطر أي الحضارة أو التقدم، لا يترك لكل المولودين على الأرض ما يتباهون به: كما لم يكن من قبل أبداً، هذه الحضارة غمرت الأرض بالدموع، وسّعت المقابر في الحروب بشكل مرعب، فرشت الأفق بدخان المحركات، وملأت السماء بطيور عملاقة ذوات مناقير معدنية، جاهزة لتبخير العالم. ولكي تكسب وقتاً لإنجاز "برج بابل"، أي الاختراعات العلمية، فإن مقاولي البلدان المسمّنة يدعون دائماً إلى مؤتمرات سلام. لكن الله، إذ رأى حنكتهم، شوّش عقولهم كما شوّش الألسنة البابلية، فلن يكونوا قادرين بعد الآن على فهم بعضهم البعض"[2].


بحسب نظرة القديس يوحنا الروماني، كل اختراع يزيد برج بابل ارتفاعاً. رقد القديس قبل أن يصل العالم إلى الدور العليا من البرج. لم يتسنَّ له أن يقرأ عن حرب النجوم، الاستنساخ، الرجال الآليين، أشباه الناس (humanoids)، الهندسة الجينية، البشرية المعززة (Augmented Humanity)، وهب الأعضاء، والأنثروبولوجيا الرقمية (digital anthropology). رحل قبل أن يأتي التواصل الاجتماعي وحتى قبل الإنترنت ولم يرَ الناس يتباهون بأنهم جعلوا العالم قرية صغيرة تشدّها الألياف الضوئية كما تغطيها شبكة طيران تصل إلى كل مكان.


لم يعِش قديسنا أيضاً ليتعرّف على الكورونا. على تلك الجرثومة التي عطّلت شركات الطيران وأعادت القرية الصغيرة دولاً تغلق حدودها على بعضها، حتى أن بعضها يتخلى عن أبنائه ولا يسمح لهم بالعودة إليه. مجتمعات تضطر إلى اختيار مَن يموت. اقتصادات الدول تهتز، وشركات ضخمة وعالمية تصرِف موظفيها. برج بابل مهدد لأن الذين بنوه يتبادلون التهم والتشكيك في مَن هو الذي أنتج الجرثومة. الطب الذي تنطّح بأنه صار قريباً من تركيب إنسان جديد، يقف مشتتاً أمام جرثومة صغيرة. كمية المعلومات التي ترد يصعب حصرها خاصة مع الكم الكبير من التناقضات التي فيها.
برج بابل مهدد لأن اللغة الواحدة التي سعت إليها البشرية في العلوم ليست لغة الله، بل لغة العقل والمنطق والبحث والمنهجيات والنفعية والتجارة. أُلِّه العقل وأُلِّه العلم وأُلِّه الإنسان إلا الإله الحقيقي بات مُبعَداً، منسياً أو مستغلّاً. برج بابل قد لا توقعه الكورونا، لكنها تدعو العالم ليعيد النظر بأولوياته وحججه ومشاريعه. إنها مرحلة. ونحن واثقون أن في النهاية الله يقوم ويحكم في الأرض لأنه يملك جميع الأمم.

 

[1] القديس من رومانيا مولود 1913 بدأ حياته الرهبانية في دير نيمتس في رومانيا ثم انتقل إلى دير القديس جاورجيوس الخوزيبي في فلسطين حيث بقي إلى حين رقد في 1960. كان راهباً صارماً وأباً روحياً منّ الله عليه بعدة فضائل. علم مسبقاً بموعد رحيله. في 1980كُشف قبره فوُجِد جسده غير متحلل. في 1992 أعلنت الكنيسة الرومانية قداسته. له قصائد ورسائل عديدة.


[2] Saint John of Neamt - Hozevit. "For those with a needy soul like me." Iaşi: Doxologia, 2010. P. 392–393.


"يا رب ارحم"
"يا رب ارحم" "يا رب ارحم" "يا رب ارحم"

 

كَم مِنَ المَرّات تُرَدّد هذه الكلمات في كنائسنا وفي صلواتنا الشخصيّة.
إنها تَتَكَرّر في الإبتهالات المؤلّفة من طلبات إستِرحام قصيرة تنتهي كلٍ منها ب “يا رب ارحم“.


تَترَدّد هذه الكلمات في خِدَم المساء وصلاة الساعات، أحياناً ثلاث مرّات وأحياناً إثنا عشرة مرّة وأحياناً أربعين مرّة. وهناك الكثير من الخِدَم حيث تُكَرِّر عِبارة " يا رب ارحم " بإصرارٍ وتوبة.
إنّ الغاية من هذا التكرار هي إشباع قلوبنا وعقولنا وأرواحنا بهذه الصلاة، فلا بدّ من أن تقال مرّة واحدة من القلب، بإنصحاق تام، لتَصعَد للرّب مُباشَرة وتكون هي المُنجيّة لنا.


فالهدف إذاً هو تركيز انتباهنا على موضوع الصلاة، ما تعتبره الكنيسة ذا أهميّة خاصّة لنُمُوِّنا الرّوحي.
إنّ كَلِمَة رَحمَة تَرتبِط بكلمة رَحَم ( رَحَم المرأة الذي يحمل الجنين )، وأنّ الله الرحيم يحملنا على هذه الصورة، في ( أحشاء رحمته ) كما تَحمِل الأمّ جنينها . فهذا أولاً ما نستعيد ذكره ونلتَمِسُه ونَتَمتّع به بثقة وإيمان كُلّما صَلّينا ( يارب ارحم ). ثُمّ إنّ تكرار صرخة يارب ارحم بين زمن وآخر هو بصدد الإستغفار عن الزلّات التي ارتكبناها والأفكار والمشاعر السَيّئَة التي عَبَرَت بنا خلال الزمن المُنصَرِم فلا بُدَّ مِن الإسترحام مِن أجلِ مَحوِها واستعادة سلامنا .


فتكرار "يارب ارحم" يُساعِدُنا على أن نُنَمِّي وندعم فينا حالةٍ روحيّةٍ ثابتة هي حالة "التوبة" تِلكَ المَبنِيَّة على مَعرِفَة خَطايانا والتّوبة عنها وإلقائِها في أحشاء رحمة الله.
آمين


 

الأحد الثاني من الصوم -أحد القديس غريغوريوس ‏بالاماس.

 

إن مجمع 1351 الذي انعقد في القسطنطينيّة، كان هامًّا جدًّا من الناحية العقائديّة، تبنّت فيه الكنيسة رسميًّا عقيدة التمييز بين الجوهر والقوى، حتّى أنها أبسلت من يُنكر هذا التمييز. وقد دخلت حروماته (أناثيما) في خدمة أحد الأرثوذكسيّة.
إنّ تثبيت القدّيس غريغوريوس بالاماس لتعاليم الكنيسة المقدّسة في القرن الرابع عشر ٱعتُبر ٱنتصارًا ثانيًا للأرثوذكسية بعد ٱنتصارها على محاربي الأيقونات. لهذا خصّصت الأحد الثاني من الصوم لذكراه إلى جانب عيده في 27 تشرين الثّاني الّذي هو تذكار رقاده، رغم أنّ البنية الليتورجية لهذا الأحد قد سبق إقرارها قبل القرن 14 بموجب خطوط أخرى. فعقيدة "تأله" الإنسان، الآبائيّة، هي غاية كل حياة الإنسان على الأرض.

التأله، بالنسبة للقدّيس غريغوريوس بالاماس، هو غاية خلقنا، غاية كل الوجود البشري، لهذا السبب صنعنا الله، لكي نصير "شركاء الطبيعة الإلهيّة" (2بط4:1).

هذا التأله، في الفكر الأرثوذكسي، هو شركة شخصيّة مباشرة للإنسان مع الله، إنها إمتلاء الكائن البشري من قوى الله أو من نعمة الله غير المخلوقة. هذه القوى الإلهيّة، أو النعمة الإلهيّة، الّتي تصدر مباشرة عن جوهر الله، الّذي لا يُقترب منه ولا يُدرك، رغم أنها متميّزة عن الجوهر الإلهي، إلا أنها متّحدة به بدون انفصال. الله في جوهره يبقى غير مقترب إليه، لكن في علاقته مع خليقته وفي سرّ الخلاص يعمل عبر قواه الإلهيّة.

لهذا ما نقوله عن صلاح الله غير المخلوق، أو المجد الأزلي، أو الحياة الإلهيّة، وما يماثلها، تحصل عبر اشتراك الإنسان في القوى غير المخلوقة، الّتي هي الله نفسه، وليس في "جوهر الله الفائق الجوهر". هذه القوى هي مشتركة بين أقانيم الثالوث الثلاثة. وبعمل النعمة في النفس البشريّة، كما يصف بالاماس:

"الله كلّه يأتي فيسكن في كيان المؤهّلين كلّه، والقدّيسون بكليّتهم يسكنون بكلّ كيانهم في الله كلّه، ممسكين بالله كلّه" .

آمين


 

أحد الغفران.


" اغفروا يغفر لكم" (لوقا 3- 37)
" كونوا لطفاء بعضكم نحو بعض شفوقين متسامحين كما سامحكم الله أيضاً في المسيح " ( افس 4-32)

"محتملين بعضكم بعضاً ومسامحين بعضكم بعضاً إن كان لأحد على أحد شكوى، كما غفر لكم المسيح هكذا أنتم أيضاً "(كولوسي 3- 13 )

إنَّ هذا اليوم المقدّس المعروف بمرفع الجبن أو أحد الغفران، حيث نتأهَّل لندخل بنعمة الله غداً الصيام الكبير المقدّس.


ألصوم هو ليس بنظام أكل خاص فقط، وإنَّما هو أعمق من ذلك بكثير، إنه فترة حرب وجهاد روحي مع قوى الشر الموجودة في داخلنا، فليس الهدف أن نقطع عن طعام مُعيَّن فقط وإنما نحن نحارب شهواتنا وأهواءنا ونُحَاوِل أن نكتَسِب بعض الفضائل التي تؤهّلنا إلى معاينة نور القيامة.
إن إنجيل اليوم يبداء بتوصية شريفة "إغفروا للنّاس زلاّتهم"


من نحن لنغفر ! إن الله وحده هو الغفور. لكنّنا نستشف من هذا القول أن يكون لنا دورٌ في نظافة أنفسنا الداخليّة وقلوبنا، وأن لا نحمل على إنسان آخر حقد أو ضغينة لأننا لا نستطيع أن ندخل إلى صومٍ بهدف أو غاية أسمى من التي فيها غاية لهذا الغفران، فالصوم يُدَرّبنا أن نتحلّى بضبط النفس لنصير مقبولين عند الله.
فبالمغفرة نشعر أنَّنا صرنا على أبواب العلاقة مع الله التي تكتمل بالصوم المبارك، والصوم هو علاقةٌ بين الله والإنسان ولا شيء آخر البتّة. لذلك قال إنجيل اليوم: "عندما تصوم لا تظهر للناس صائماً بل لأبيك الذي في الخفية".
آمين


 

f t g