• 1

  • 2

  • 3

  • 4

Copyright 2019 - Propriété AGOAP - 2014

 ✥ القديس النبي يونان:

 

هو يونان الذي يتحدث عنه السفر المعروف باسمه، وهو أحد أسفار الأنبياء الاثني عشر الصغار، من مجموعة كتب العهد القديم. صار قول الرب إليه هكذا: قم اذهب إلى نينوى، المدينة العظيمة، وناد عليها لأنه قد صعد شرّهم أمامي. فلم يرد أن يذهب بل قام وهرب وجاء إلى سفينة مسافرة إلى ترشيش. وفي الطريق، فيما كانت السفينة في عرض البحر، أرسل الرب عليها ريحاً شديدة فحدث نوء عظيم حتى كادت السفينة تفرق. وإذ خطر ببال البحارة أن يكون أحد المسافرين سبب هذه المصيبة التي ألّمت بهم لخطيئة شنيعة ارتكبها، ألقوا القرعة فيما بينهم فوقعت على يونان. فاعترف يونان بأنه هارب من وجه ربه. وعلى كلمة يونان، أخذه البحارة وطرحوه في المياه فهدأت العاصفة. أما الرب- كما يقول السفر- فقد أعد حوتاً عظيماً ليبتلعه. فكان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال. وصلّى يونان إلى الرب، إلهه، فأصغى إليه وأمر الحوت فقذف بيونان إلى البر. وصار قول الرب إلى يونان من جديد: قم اذهب إلى نينوى، المدينة العظيمة، وناد لها بالمناداة التي أنا مكلمك بها". فقام يونان هذه المرة وذهب صاغراً. ونادى يونان في نينوى أن الرب مزمع، في أربعين يومأ، أن يخرب المدينة بسبب طرقها الرديئة وكثرة الشرور فيها. ولكن، نخس أهل نينوى إلى قلوبهم فقاموا بنفس واحدة ونادوا بصوم ولبسوا المسح من الكبير إلى الصغير - حتى البهائم صوّمت - وصرخوا بصوت عظيم سائلين العلّي العفو والرحمة. فلما رأى الرب الإله توبة المدينة عدل عما كان مزمعا أن يصنعه بها. ولم يرق الأمر ليونان لأنه ظنّ أن مجيئه إلى نينوى كان بلا فائدة وأنه تجشّم مشقّات السفر سدى. ثم إنه كان يعرف أصلاً، على حد تعبيره، أن الرب الإله رؤوف رحيم، بطيء الغضب وكثير الرحمة، وسيغفر لأهل نينوى ذنوبهم في نهاية المطاف. هكذا بدا يونان باراً في عين نفسه. وأراد الرب الإله أن يلقّن يونان درساً. فما إن خرج إلى مكان يطل على المدينة منتظراً ما سيحلّ بها، أنبت له الله يقطينة في يوم واحد، ارتفعت وظلّلته، ففرح بها يونان فرحاً عظيماً. ولكن، أرسل الله دودة، مع الفجر، نخرت اليقطينة فجفّت. ثم طلعت الشمس ويبّستها. فاغتاظ يونان جداً وطلب لنفسه الموت. فنظر الله إلى غيظه وقال له: أتظن نفسك على حق في ما أنت فاعل؟ أشفقت على اليقطينة ولم تتعب فيها ولا ربيّتها، وكانت بنت يومها، أتريدني ألا أشفق على أهل نينوى وقد تابوا إليّ ؟!

في العهد القديم: ذكر يونان النبي في مكانين:
1- في سفر يونان.
2- في سجل ملوك بني إسرائيل.، حيث نجد سيرته في سفر الملوك الثاني (2مل25:14)، وهناك نتعرّف على اسم والده ومكان إقامته، وأيضًا على اسم الملك الذي كان يحكم البلاد في وقته.
في العهد الجديد:
- في حوار الرّب يسوع مع الفرّيسيّين: "جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له أية إلا آيّة يونان النبي. لأنّه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام و ثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال" (مت39:12-40)
- رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لانهم تابوا بمناداة يونان.وهوذا اعظم من يونان ههنا (مت 41:12)
* يرى القدّيس كيرلّس الكبير  أن السيّد المسيح رفض تقديم آية لهم لأنهم طلبوا ذلك بمكر، فقد قدّم لهم قبل ذلك آيات فاتّهموه أنّه برئيس الشيّاطين يخرج شيّاطين. لذا لم يستحقّوا التمتّع بآياته، إذ يقول: [نَبَع طلبهم عن مكر فلم يُستجاب لهم كقول الكتاب: "يطلبني الأشرار ولا يجدونني" (هو 5: 6)... لهذا لم يرد أن يقدّم لهم آية أخرى، فلا يقدّم القُدْس للكلاب ولا يُلقي الدُرر للخنازير، إذ كيف يستحق هؤلاء الذين قدّموا افتراءات مرّة على المعجزات التي تمت أن يتمتّعوا برؤية معجزات أخرى...؟ لهذا قال لهم أنه لا تعطى لهم سوى آية يونان التي تعني الصليب والقيامة من الأموات. بهذا نرى أن السيّد أراد أن يؤكّد لهم بأن الآية ليست عملًا استعراضيًا، وإنّما هي عمل إلهي حقّقه الرّب يسوع بنفسه وغايته خلاص الإنسان. أمّا ارتباط يونان بشخص السيّد المسيح فهو ارتباط الرمز بالمرموز إليه، ويكمل القدّيس كيرلس الأورشليمي فيقول: "إن كان يونان قد ألقيَ في بطن الحوت، فالرّب يسوع نزل بإرادته إلى حيث حوت الموت غير المنظور، ليجبره على قذف الذين كان قد ابتلعهم، كما هو مكتوب: "من يد الهاوية أفديهم، من الموت أخلِّصهم".
* ويقول القدّيس باسيليوس الكبير: أعطاهم علامة لكن ليست من السماء، لأنّهم لم يكونوا يستحقّون رؤيتها، إنّما من أعماق الجحيم، أعنى علامة تجسّده ولاهوته وآلامه وتمجيده بقيامته بعد دخوله إلى الجحيم ليحرّر الذين ماتوا على رجاء.
* كذلك يقول القدّيس أمبروسيوس: آية يونان ترمز لآلام ربّنا، وفي نفس الوقت شهادة ضدّ خطيّة اليهود الخطيرة التي يرتكبوها. بأهل نينوى يُشير إلى العقاب (إذ يقدّم اليهود العذابات للسيّد المسيح) وفي نفس الوقت الرحمة، فلا ييأس اليهود من المغفرة إن مارسوا التوبة. لقد تمتّع أهل نينوى بيونان الكارز المنطلق من بطن الحوت، أمّا نحن فتمتّعنا بيونان الحقيقي القادر أن يطلقنا من أعماق الهاوية ويدخل بنا إلى ملكوته السماوي:"هوذا أعظم من يونان ههنا".
صار لنا أيضًا من هو أعظم من سليمان، الذي لا يحدّثنا بكلمات حكمة فحسب، بل يطرد عنّا مملكة إبليس. فقول السيد المسيح لا يؤكد فقط حقيقة يونان، بل حقيقة دخوله إلى جوف الحوت كرمز لدفنه وقيامته.  وذكره السيد المسيح مرة أخرى في تبكيته لليهود: "رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه؛ لأنهم تابوا بمناداة يونان" (مت41:12).
خلاصة: ها في وسطنا من هو أعظم من يونان الذي اجتذب أهل نينوى للتوبة، وأعظم من سليمان الذي جاءت إليه ملكة التيمن من أقصى الأرض تسمع حكمته. ها في وسطنا خالق يونان، وخالق أهل نينوى وخالق سليمان وخالق العالم كلّه. إنّه الله المتجسّد الذي أتى بنفسه ليعيدنا إلى الملكوت.


“الجهاد الروحي” ومعناه في حياتنا.

 

إن هدف حياتنا هو أن نصبح قديسين، كاملين، أبناء لله، ورثة لملكوته السماوي، أما "الجهاد الروحي" فهو الوسيلة لتحقيق ذلك.
إن وسائل "الجهاد" كثيرة منها الصوم والسهرانيات والصلوات والكثير غير ذلك.
لكن هذه الوسائل لا تقدم إلى مُمَارِسيها ثماراً روحيّة حسنة فقط بالتعلُّق بها دون التركيز على الجوهر، أي نعمة الروح القدس، لأنها ليست هي هدف حياتنا بل هي وسائل لتحقيق الهدف السامي أي القداسة.
بالجهاد الروحي نسعى لأن نَتَزيَّن بالفضائل وأن نتخلَّص من كلّ هوى متجذر فينا، وبه نحافظ على نقاوة قلوبنا من أي أوساخ وشوائب حتى يأتي ويسكن فينا السيد ويملأنا الروح القدس بنعمه الكثيرة.
ينبغي أن يكون اهتمامنا وسَعينا في الجهاد الروحي مستمراً ودون توقُّف، ولتحقيق ذلك يجب أن نُصلّي إلى الله، وأن نطلبه من أعماق قلبنا، وليس من شفاهنا، وعندما نجده لنقف بخوف واحترام كما تفعل الملائكة بحضوره، ونقف بإجلال لأنّ قلوبَنا أصبَحَت عرشاً يَجلُسُ عليها السيد، ولكن حتى نجده يجب أن نجاهد كي نتواضع، لأن الله لا يُحب التكبُّر وإنما يُحب متواضعي القلوب ويزورهم.
فلنجاهد الجهاد الحسن والله سيقوينا في جهادنا ضد ضعفنا ونواقصنا وخطايانا لأنه سيكون كمرآة لحياتنا الروحية؛ الذي لا يجاهد لن يستطيع أن يعرف ذاته، ولننتبه مجاهدين أيضاً ضد الضعفات الصغيرة، وإن حَدَثَ وسَقَطنا في بعض الخطايا بسبب عدم الإنتباه فلا نيأس بل لننهض بسرعة ولنلجأ إلى لله لأن لديه القدرة أن يصلحنا.
ألضعف والأهواء موجودة في داخلنا وجذورها عميقة، لا يمكننا قطعها والتخلص منها بحركة واحدة، ولا حتى بواسطة اليأس والقلق والحزن ولكن يتم التخلص منها بواسطة الجهاد بالصبر والمثابرة والاهتمام والانتباه.
إن الطريق المؤدي للكمال طويل، لنصلّي لله حتى يقوّينا فنواجه السقطات بصبر وننهض بسرعة ونتابع في المسيرة.
“صلوا واسهروا حتى لا تدخلوا في تجربة”، هذه هي وصية الجهاد الحقيقية فلا نيأس إن سقطنا في خطايا قديمة ومتكررة، الكثير منها يحتاج لتعب وجهاد طويل، ومع الزمن والاهتمام بالحياة الروحية سنكون من المجاهدين الحقيقيين الذين سيحققوا النصر والملكوت السماوي.
آمين


ميلاد والدة الإله الفائقة القداسة والدائمة البتولية مريم:

"القدير صنع بي عظائم واسمه قدّوس"(لوقا ٤٩:١)، حياة العذراء مريم هي خير شرح لهذه الآية، وحياة والدة الإله هي أفضل مثال لنا نحن البشر.إنسانةٌ مثلنا تقدّست بالنعمة ووَلَدت الإله. يا له من سرّ عظيم يفوق كلّ العقول.!!! عذراء تصبح والدة الإله. وحدها هذه العبارة يكمن فيها "كل سرّ تدبير الخلاص" (القدّيس يوحنا الدمشقي)بالمقابل يقول القدّيس نيقولاس كاباسيلاس (نحو ١٣٢٠- ١٣٦٣):" نظر الله من العلى إلى الأرض فرأى إنسانة طاهرة نقيّة متواضعة، فلم يستطع إلّا أن يتجسّد منها"تواضع العذراء مريم جذب الله.هنا لبّ الموضوع،"طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (متى ٨:٥). فهي لم تعاين الله فحسب، بل حملته في أحشائها. وهكذا بمسيرتها تتحقّق أقوال الأنبياء بخلاص الله الموعود للبشر، الله يُصبح إنساناً.

الكنيسة تحتفل بميلاد السيّدة لأنّ فيها تمّ القصد الإلهيّ بخلاص البشر. من ميلادها نأخذ عبرةً أنّ: "كلّ مولود بشري مشروع قداسة وحامل للإله"، إذا هو أراد طبعاً.

تُقيم الكنيسة الأرثوذكسيّة لوالدة الإله أكثر من عيد في السنة.ولكن يجب أن ندرك جيّداً أن كلّ الأعياد الأساسيّة الثابتة والمنتقلة (عددهااثنا عشر ماعدا الفصح) هي أعياد سيّديّة لأنها تتمحور حول الرّب يسوع المسيح وترتبط به. فهي تدعى سيّديّة لأنّها من كلمة سيّد وليس من كلمة سيّدة. حتى عيد ميلاد والدة الإله، وعيد دخول السيّدة إلى الهيكل وعيد البشارة وعيد رقاد والدة الإله والتي هي من ضمن الأعياد الاإثني عشر هي أعياد سيّدية مرتبطة بالرّب مع أنّها تُدعى أعياد والدية.

الجدير بالملاحظة أن عيد ميلاد والدة الإله (الثامن من أيلول) هو أوّل عيد سيّدي في الكنيسة الأرثوذكسيّة بحيث تبدأ السنة الطقسيّة في أوّل شهر أيلول، وكذلك عيد رقاد والدة الإله هو آخر عيد سيّدي ويقع في الخامس عشر من شهر آب.وكأنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة في ذلك أرادت أن تقول إنّ والدة الإله الأم التي حملت في أحشائها الضابط الكل، تحمل في أحشائها دورة أعيادنا الليتورجيّة كلّها من أوّلها إلى نهايتها.كيف لا وهي الأمّ الحاضنة التي كلّما نظرنا إلى أيقونتها تنظر هي في وجهنا لتقول: " لنهلل سوياً للرّب يسوع المسيح، إنّه المخلّص الوحيد. إلهي وإلهكم، مخلّصي ومخلّصكم."

ومع ولادة مريم تبدأ بشائر الفرح وتحقيق الوعد الخلاصي. فهذه الطفلة ستكون والدة الإله. ولكن، ليس باختيار مسبق ولا بتمييز بين الخلائق البشرية، بل بتواضعها ونقاوتها وعشقها لله. فهي التي قالت: " تعظّم نفسي الرّب وتبتهج روحي بالله مخلصي. لأنه نظر إلى اتضاع أمته " (لوقا 46:1-48). 

فلا أحد من البشر يولد خاطئاً. أجل، كلّنا معرّضون للخطيئة بسبب ضعف الطبيعة البشريّة، إلاّ أنّنا ورثنا نتائج الخطيئة الجدّيّة بعد سقوط آدم وحواء، من غير أن نرث الخطيئة نفسها. في هذا، ولدَت العذراء مريم كسائر البشر، من دون تمييز، وتغلّبت على مختلف التجارب بعشقها لله والتصاقها به. نحن إذاً مدعوّون لنحذو حذوها ونتّخذها مثالاً. فإنّ من يتّحد بالله وبنعمته يغلب جميع أنواع الخطايا. فالخطيئة ليست أقوى من الإنسان بتاتاً مهما تكبر وتثقل، بل هي مغلوبة بنور المسيح. وهذا يذكّرنا بما قاله الله لقايين منذ بدء سفر التكوين:"...عند الباب خطيئة رابضة واليك اشتياقها وأنت تسود عليها " (تكوين 7:4)، فعبارة "أنت تسود عليها" هي لكل واحدٍ منّا، فنحن نسود على الخطيئة بثباتنا بالله.

مع ميلاد مريم تبتدئ رحلة عودتنا إلى الملكوت. ومع رقادها وانتقالها إلى السماء يتحقق ما قاله الرّب يسوع لنا: "من آمن بي ولو مات فسيحيا" (يو25:11). فنحن خُلقنا لنكون قياميّين بالقائم أبدًا ودائمًا.


 

شهر أيلول، شهر الصليب المُحيي في الكنيسة الشرقيّة.

 

مع بداية السنة الكنسيّة الجديدة، في أول شهر أيلول، تضع الكنيسة المقدّسة أمام أعيُننا الهدف الذي يسعى اليه كل مؤمن وهو الوصول الى الخلاص الذي تحقق بالصليب. لذلك تهتم الكنيسة الارثوذكسيّة بالصليب إهتماماً عظيماً اذ تُعيَد الكنيسة المقدّسة في الرّابع عشر من أيلول من كل عام لرفع وظهور الصليب الذي صُلِبَ عليه ربُّ المجد والذي عِبرَهُ تحقّقَ الخلاص، لما بسط الرب يسوع يديه على الصليب. كذلك خصّصت الكنيسة له احدين : " الأحد قبل رفع الصليب" و"الأحد بعد رفع الصليب".
لذلك الكنيسة الارثوذكسيّة المقدّسة تعتبر عيد رفع الصليب" المُحيي" من أكبر أعيادَها، ولهذا كان يعرض الصليب المقدّس على المؤمنين للسجود له قبل العيد بثلاثة ايام؛ ولم تكتف الكنيسة الارثوذكسيّة بتَعيِيدِه ليوم واحد بل خصّصت له يومين آخرين بالسجود للصليب، وهو الاحد الثالث من الصوم الكبير، والأوّل من شهر آب، دفعاً للأمراض .

يعود سبب نشؤ عيد رفع الصليب "المُحيي":
- اولاً الى اكتشاف الصليب المقدّس على يد الملكة القدّيسة هيلانة والدة الإمبراطور القدّيس قسطنطين وتكريس بناء كنيسة القيامة.
- أيضا السبب الثاني لعيد رفع الصليب " المُحيي" هو ظهور علامة الصليب في السماء مع عبارة " بهذه العلامة ستنتصر" التي ظهرت للامبراطور قسطنطين عندما كان يُحارب خصومه والذي انتصر في الحرب.
- والسبب الثالث هو إسترجاع خشبة الصليب من الفرس على يد الامبراطور هرقل حيث رفع الصليب في مكانه الأصلي ليسجد له كل المؤمنين.
آمين


لم أفعل شيئاً ... قصّة ذات مغزى روحيّ كبير

 

"امتلأت جهنّم بالخاطئين، وكان كثير من الأشخاص موجودين خارج الباب ينتظرون بقلق كبير إن كانوا سيدخلون إليها أم لا. فوقف رئيس الشياطين على الباب وصرخ بصوت جهير أخاف جميع الحاضرين: لقد امتلأت الأمكنة جميعها من أحبّائي أصحاب الشرور المتنوّعة، ولم يبقَ سوى مكان واحد شاغر أظنّه أحلى الأمكنة وأفخمها. ثمّ بدأ يسير بين الخطأة وهو يبتسم تلك الابتسامة الرهيبة ويضحك بسخرية ضحكة كانت تقشعرّ لسماعها أبدان الخاطئين.
أخذ رئيس الشياطين يهزّ كلّ واحد من كتفه وهو يسأله بلهجة مقزّزة للنفس عن الخطايا التي ارتكبها ليرى من هو صاحب الحظّ الأكبر ليتربّع في هذا المكان الفخم.
وفيما هو يسير، رأى واحدًا بدت عليه إمارات الهدوء وهو ينظر بازدراء ولامبالاة إلى هذا الرئيس. فاقترب منه زعيم الشياطين متعجّبًا وسائلاً:
- أأنت خاطئ؟
- لم يردّ الشخص جوابًا، بل اكتفى بالنظر إليه شزرًا.
- لماذا لا تردّ؟ ماذا فعلت في حياتك؟
- لا شيء، فأنا رجل صالح جدًّا.
- ضحك الرئيس عاليًا، وقال: وكيف اتّفق وجودك هنا إذن؟
- أنا هنا نتيجة سوء فهم فقط.
- ولكنّك، بالتأكيد أخطأت يومًا ما، فكلّ إنسان يخطئ.
- أجاب الرجل بقناعة تامّة وثقة متناهية: لا شكّ، ولكنّي لم أدخل عالم الخطيئة الفعليّ. فقد رأيت بشرًا يضطهدون غيرهم، بيد أنّي لم أدخل معهم في هذا المعترك. ورأيت آخرين يميتون الأطفال جوعًا، أو يبيعونهم عبيدًا، ولكنّي لم أوافقهم على فعلهم هذا. ورأيت، أيضًا، جماعة أخرى تهشّم أجساد مخدوميهم ويعاملونهم كنفاية المجتمع، أمّا أنا فقد قاومتهم على فعلهم هذا ولم أقترف مثلهم أفعالاً مشينة.
- أأنت متأكّد أنّك لم تفعل شيئًا مثلهم.
- أجاب الرجل بثقة تامّة: نعم.
- أرأيت كلّ هذه المظالم تجري على بني جنسك، وبقيت ساكتًا لا تحرّك ساكنًا؟
- نعم، رأيتها ولم أفعل شيئًا، فماذا تريدني أن أفعل؟
فقهقه رئيس الشياطين عاليًا وقال للرجل: مبروك، أقدّم لك خالص تحيّاتي وأحرّ تهانيّ القلبيّة. ادخل، يا صديقي، فهذا المكان معدّ لك.

أحبّاءنا، الإنسان المسيحيّ ليس فقط يحيد عن الشرّ، ولكن يصنع الخير أيضًا. يبتعد عن الرذيلة ويعمل الفضيلة. يدافع عن المظلوم ويساعد المحتاج. لا يكتفي بالنظريّات، بل يقدّم الأفعال. الإنسان المسيحيّ ليس متفرّجًا وحسب بل، أيضًا فعّالاً، على خطى مسيحه. المسيحيّ يضحّي، يبذل، ويحبّ حتّى آخر نقطة من دمه. المسيحيّ هو مسيح آخر على الأرض مملوء دعة وعطاء وحبًّا.


إنتقال والدة الإله.
(في السواعي الكبير والسنكسار الجزء الأول)

 

تُكرِّم الكنيسة الأرثوذكسية في العالم، بشكل خاص، والدة الإله وهذا التكريم يعود أصوله أو جذوره لفترة الرسل من تاريخ الكنيسة وشهدوا بذلك من خلال الأناجيل المقدسة ومنهم الإنجيلي لوقا: “فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تُطوّبُني” (لو48:1)، ويعتبر هذا التطويب شهادة على تكريم شخص والدة الإله من العصر الرسولي.
ألكنيسة المقدسة قد تَسلَّمت من الآباء منذ قديم الزمان عن رقاد والدة الاله ما يلي:
وهو أنه لما حان ملء الزمان الذي سر فيه مخلصنا أن ينقل اليه والدته، ارسل اليها ملاكاً قبل ثلاثة أيام ليخبَرها بقرب انتقالها من هذه الحياة الزائلة الى الحياة الأبدية المغبوطة.
فلما سمعت هي بذلك صعدت بسرعة الى جبل الزيتون الذي كانت تذهب اليه كثيراً للصلاة وأدت الشكر لله، ثم عادت راجعةً الى بيتها وأخذت تهيِّءُ ما يقتضي للدفن وفيما هي على هذه الحال أختطف الرسل من أقاصي الأرض، كلا منها من حيث يُكرزُ بالبشارة، وأحضروا في وهلة واحدةٍ الى بيت والدة الاله فأخبرتهم بسبب جمعهم بغتةً وعزَّتهم بمثابة أمٍّ عن الحزن الذي اعتراهم لا محالة، ثم رفعت يديها وتضرَّعت من أجل سلامة العالم، وباركت الرسل واخيراً إضطجعت على سريرها، وجعلت جسمها على الهيئة التي شاءَت، وهكذا أسلمت روحها الفائقة القداسة في يديّ إبنها وإلهها، أما الرسل فرفعوا السرير الذي كان عليه جسدها المتقبل الإله بورع عظيم ومصابيح كثيرة مرتلين نشائد التجنيز وحملوه الى القبر وكانت الملائكة إذ ذاك ترتل معهم من السماء مشيعين "من هي أعلى من الشاروبيم" وإذ تجاسر أحدُ اليهود حَسداً أن يمد يديه على ذلك السرير بوقاحةٍ، ناله في الحال من لدن القضاء الالهي ما كانت تستوجبه وقاحته من القصاص، فإن يديه الجريئتين قطعتا بضربة لم تُرى.
ولمّا وصلوا إلى القرية التي تدعى الجسمانية دفنوا هناك ذلك الجسم الفائق الطهارة ينبوع الحياة بوقار عظيم. ثم في اليوم الثالث لدفنه اجتمعوا لتعزية بعضهم بعضاً. ولما رفعوا جزء الرب يسوع من الخبز كعادتهم ظهرت والدة الاله في الهواء قائلة لهم “سلام لكم” فتيقن الرسل من ذلك بأن والدة الإله إنتقلت الى السماء بالجسد.
آمين


الحريّة الحقيقيّة والفن الراقي.

 

كثيرًا ما نسمع في عصرنا اليوم كلمة حريّة، أي "أنا حر". يقولها الشاب أو الشابة لذويه، ويقولها صاحب عمل فنّي للمجتمع، وإلخ.

ولكن، هل حقًا مَن يستعمل كلمة حريّة يدرك معناها؟ والمسؤولية تكون أكبر عند من يدّعي أنّه جامعيّ، وأكثر، خرّيج جامعة عريقة.

بالأساس كلمة Liberty libertas من liber تعني free will أي صاحب إرادة حرّة. وأتت التسمية من إله وثني Liber معادل ل Dyonisosو Teutonic Frey، بحيث أصبحت التسمية Liberator تجمع بين Liber و Freyr . وكانت تطلق على العبيد المحررين فكانوا يدعون liberi .

كذلك كلمة Freedom هي free (adj.) +-dom أي لا تسلّط. وتحمل نفس المعنى لل .Liberty

وفي اللغة العربية الحريّة هي من حر.

إذًا لهذا الكلمة معنى إيجابي دائمًا وليس سلبي بتاتًا. مِن هنا تطلق الكلمة قانونيًّا كحالة مدنيّة أو سياسيّة، وتوسعت لتشمل الاقتصاد وغيرها. واستعملت كتحرر من الرق والعبودية وكل أنواع الظلم والقهر.

ولكن، لم تكن يومًا الحريّة دون ضوابط. أي لا يحق لشخص أن يسبب الأذى لآخر باسم الحريّة، إذ لا تعد حريّة. ولا يحق لشخص أن يتصرّف على هواه في المجتمع، فلا يحترم إشارات السير مثلًا، أو يمشي باتجاه معاكس ويسبب الحوادث للغير باسم الحريّة. كذلك لا يحق لأي شخص أن يجرح شعور الآخرين باسم الحريّة، أو يعتدي على خصوصيّة الغير تحت شعار الحريّة، وأمثلة لا تحصى ولا تعد.

هذه كلّها مفاهيم دوليّة واضحة المعايير والمعاني.

ومَن قال إن الفن هو بلا ضوابط باسم الحريّة. في الأساس الفن هو تعبير راقي ينبعث من المشاعر والأحاسيس المرهفة وليس الغوغائيّة. الحضارات تفتخر بفنّها وتتباهى به، وحضارة دون فن ليست بحضارة.

للأسف الشديد، في عصرنا اليوم، كل هذه المفاهيم تفرّغ من معانيها وتلبس معان هي أصلًا بريئة منها.

فلا يحق مثلًا لمصوّراتي أن يلتقط صورة لشخص ويستعملها دون موافقته، حتى ولو جعل منه ملك جمال. ولا يحق لأي مخرج أو مؤلّف أو مطرب أن يدوس على معتقد الآخرين أو إيمانهم أو ثقافتهم أو رموزهم باسم الحريّة. هذا قانون عالمي حضاري، وكل من يخالف هذه الأمور يعتبر متسلّطًا ومحتلًا ومخالفًا للقوانين.

فالتسلّط والاحتلال والاعتداء لا يعني فقط جيش يحتل بلد آخر، بل يبدأ باحترام أصغر مشاعر الآخرين لأن كل إنسان هو حر، بمعنى له كيانه ومشاعره وثقافته ومعتقده ووجوده وخصوصيّته.

نهاية، من يتستّر كلّ مرّة خلف ستار الحريّة والفن، ومن يدافع عنه عن معرفة أو عن جهل، عن حقد أو عن انتقام، عن ردة فعل أو جرح، ليجرّح بالرب يسوع المسيح وبالإيمان المسيحيّ ورموزه وشعائره وصلواته وفنّه الكنسي النابع من إيمانه، نقول له أنت مخطئ جدًا، وأنت معتد لأنّك تجرح أكثر من ملياري مخلوق حيّ في العالم، وضف عليهم مليارات مِن البشر رقدوا، ومليارات سيأتون مِن بعدنا. ولا تنسى قوافل الشهداء والقديسون الذي استبسلوا بالدفاع عن إيمانهم، وتحملّوا أبشع أنواع العذابات ولم يستسلموا.

قد يكون مَن يعتدي على المسيحية جاهل، أو لا يدري، أو أو أو، ولكن عندما يُخبر تسقط كلّ حججه.

سنبقى نتعرّض كما تعرّضنا منذ بداية المسيحيّة، ولكن سنبقى نشهد ونوضّح وندافع ونستبسل، لأن إيماننا أمانة في أعناقنا، ولا تساهل في هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد.

ستبقى المحبّة انطلاقنا، واللقيا هدفنا، لأن كل وجه مهما كان موقفه هو وجه الله أدرك ذلك أو لم يدرك، وسنبقى نردد ونقول له: لقد تجسّد الله وصلب وقام مِن أجلنا جميعًا، أي مِن أجلك أنت أيضًا.

واليوم الذي ستكتشف فيه خلاصه وحلاوته ستصرخ بفرحٍ: ربّي يسوع المسيح، إلهي ومخلّصي.

إلى حين ذلك الوقت، سنبقى نحبّك وندعوك، ولكن لا يحق لنا أن ندعك تشتم إلهنا ونصفّق لك.

+أثناسيوس شهوان


يعتبر دير "سيّدة الناطور" من الأديرة الارثوذكسيّة المهمّة في الشمال، وتحديداً في أبرشية طرابلس والكورة وتوابعها للروم الارثوذكس. موقعه في منطقة الحريشة - أنفه على شاطئ البحر بين جامعة البلمند شمالاً ودير سيّدة النوريّة جنوباً، أضفى عليه هالة من الرمزية الإستثنائيّة.

 

شيّد الدير، وفق الوثائق المتوافرة، في القرن السادس وتهدّم بفعل الزلازل التي ضربته تباعاً، ثم أعيد بناؤه عام ١١١٣. تهدّم القسم الغربي منه عام ١٩١٤ عندما صبّت باخرة حربية تابعة للحلفاء حممها عليه بعدما تعرضت للنيران من البّر، إذ اعتقد جنودها أن الدير قلعة للأتراك.
موقع الدير الممّيز، أتاح له بناء رأس بحري يعرف بـ "رأس الناطور"، فوق كهف تغمره مياه البحر أطلق عليه إسم "كهف الناطور".

 

قصة "الناطور"
يرتبط تاريخ بناء الدير بقصة قديمة، يتداولها أهالي البلدة والأخت كاترين الجمل التي رقدت في العام ٢٠١٩. تفيد القصة، وفق الأخت كاترين، "بأن رجلاً ثرياً أراد التكفير عن خطاياه، فقصد الدير المحاذي للبحر، ورمى فيه مفتاح خزنة نقوده، وقال: "إذا أعيد المفتاح إليّ يكون الله قد صفح عن جميع خطاياي". وعاش في الدير زاهداً، يعتاش من الطعام الذي يقدمه إليه الصيّادون. إلى أن رمى أحدهم ذات يوم شبكته في البحر، وقال "سأقدم لهذا الفقير كل ما اصطاده". وبعدما وفى بوعده، إكتشف الرجل داخل إحدى السمكات مفتاحه الذي رماه. عندها، أيقن أن الله صفح عن خطاياه، فوزّع أملاكه وأمواله على الفقراء وعاد إلى حياة النسك والصلاة. وربما تعود تسمية الدير بالناطور إلى الفترة الطويلة التي قضاها الرجل في الدير منتظراً رحمة الله".
وإذا كان جزء من أقسام الدير حديث البناء، إلاّ أن الوثائق المتوافرة تشير الى أن الكنيسة والعقود الموجودة فيها تعود إلى الفترة الصليبيّة. وقد شهد الدير ورشة ترميم عام ١٧٢٧ عندما سكن أحد الكهنة فيه، وكانت البلاد تعاني آنذاك مجاعة، فاستعان ببعض الأهالي للعمل لقاء توفير معيشتهم، وأضاف غرفاً في الطبقة العلوية.
أثناء الحرب العالمية الأولى، وتحديداً عام ١٩١٤، تعرّض الدير للقصف وهدمت إحدى واجهاته، لكنه بقي حتى عام ١٩٧٣ من دون أي ورشة ترميم رغم تناوب عائلات عدة على السكن فيه وآخرها عائلة مالك ومنها الخوري جرجس مالك، ودائماً وفق المعلومات المتوافرة في الدير عن بنائه وتطوره.
في الحرب الأهلية الأخيرة، تمّ حرق قسم من الدير بطريقة مفتعلة، فهجره قاطنوه واقتحمه مسلحون وعبثوا بمحتوياته.

 

ورشة الترميم
في تشرين الثاني ١٩٧٣، سكنت الأخت كاترين الجمل في الدير حتى عام ٢٠١٩ حيث رقدت في شهر آذار، والتي عملت طوال حياتها على إبراز دور هذا الدير الأرثوذكسي. و كانت تقول في هذا السياق، إنّ "الدير كان مقفراً ومهجوراً يصلح لكل شيء إلاّ للسكن. عام ١٩٧٦، باشرت الأخت كاترين أعمال الترميم من مردود عملها الخاص في خياطة اللباس الكهنوتي. لكن احتراق مشغلها دفعها إلى مغادرة الدير والإنتقال إلى فرنسا ثلاث سنوات متتالية. إلاّ أنها ما لبثت أن عادت مجدداً الى الدير وتابعت ورشة الترميم، الى ان أنجزت أعمال القسم الأخير في العامين الماضيين.
لم تخلُ أعمال الترميم من صعوبات مالية، وتقول الاخت كاترين انه "تمّت الاستعانة برهبان فرنسيين وروس، لرسم جداريات الكنيسة والهيكل والمدخل، وبعلماء آثار ومهندسين متخصّصين للحفاظ على طابع الدير الذي يعود الى القرن الثاني عشر”.


واليوم على عهد المتروبوليت أفرام كرياكوس الجزيل الإحترام وتحديداً في الرّابع عشر من شهر تمّوز من عام ٢٠١٩ تم إعلان تأسيس شركة رهبانية نسائية مع قدس الأرشمندريت برثانيوس الذي سيخدم الدير ضمن قدّاس احتفالي حيث وبعد القداس مباشرة أُزيح السّتار عن اللوحة التذكارية تخليداً لعمل الأخت كاترين ولكي من بعدها أن يحملوا هذا المشعل ويُكملوا المسيرة لكي يكون الدّير واحة صلاة ومكان للإرشاد الرّوحي وباباً مفتوحاً لكل قاصدٍ للدير من أي مكان أتى.


✥ آباء المجمع المسكوني الرابع أو المجمع الخلقيدوني: تحتفلُ كنيستُنا المقدّسة اليوم بذكرى مجمعها المسكوني الرابع المنعقد عام 451م في مدينةِ خلقيدونية بحضورِ 630 أبٍ من آباء الكنيسةٍ جمعاء. يُعتبر من أهمّ المجامع، إذ إنّ الكنيسة قد أكدّت في قراراته إيمانها بوحدة شخص المسيح وبـ"الطبيعتين في المسيح"، الطبيعة الإلهيّة والطبيعة الإنسانيّة. وقد نجم عن هذا المجمع انشقاقٌ أدّى إلى ابتعاد الطوائف الشرقيّة التالية: القبطيّة والأرمنيّة والسريانيّة عن الشركة مع الكنيستين الرومانيّة والبيزنطيّة. واليوم، ثمّة مساعٍ بين هذه الطوائف كافّة لإعادة الوحدة فيما بينها نتج عنها تحقيق بعض الخطوات في هذا النحو. بعد قانون الوحدة -الذي وضعه لاهوتيّون من الإسكندرية وأنطاكية- حصل اختلاف حول بعض التعابير الواردة فيه (راجع: المجمع المسكوني الثالث)، وذلك أن ثمة بعضا من الاسكندرانيين المتشددين رفضوا الاصطلاحات الأنطاكية، ولا سيما اصطلاح "طبيعتين" الذي كان يوازي عندهم (الاسكندرانيين) لفظة "اقنومين" (شخصين). وكانوا يفضلون عليها تعابير أخرى وردت عند كيرلّس مثل عبارة "طبيعة واحدة" في قولته الشهيرة: "طبيعة واحدة للإله الكلمة المتجسد"، غير أنهم، احتراما لكيرلّس، لم يجهروا بآرائهم قبل رقاده (+444). أبرز القائلين بـ "الطبيعة الواحدة" كان افتيخيوس، وهو رئيس دير في القسطنطينية يضم أكثر من 300 راهب، يدعمه ديوسقورس بطريرك الإسكندرية.


⁜ الأسباب الداعية لعقد المجمع: فسبب عقد المجمع المسكوني الرابع فهو انحراف افتيخيوس في ما يخصّ سرّ تأنّس ابن الله. فقد قال افتيخيوس إنّ طبيعتَي المسيح، الطبيعة الإلهيّة والطبيعة الإنسانيّة، اتّحدتا وصارتا بعد تأنّسه طبيعة واحدة، إذ ابتلعت الطبيعة الإلهيّة الطبيعة الإنسانيّة. وبرّر افتيخيوس قوله هذا مستنداً إلى عبارة استعملها القدّيس كيرلّس الإسكندريّ (+444): "الطبيعة الواحدة المتجسّدة للإله الكلمة". وهنا، لا بدّ من توضيح معاني بعض الاصطلاحات المستعملة في ذلك العصر حتّى يتسنّى لنا الإحاطة بأسباب الانشقاق، ذلك أنّ سوء الفهم اللغويّ بين مسيحيّي تلك الأيّام (وبخاصّة في القسطنطينيّة وأنطاكية والإسكندرية)، كما اتّضح في ما بعد، قد ساهم في تشتّت الكنائس وتنابذها. إذاً عرف افتيخيوس تعاليم كيرلّس غير انه سقط في المصيدة التي نصبها ابوليناريوس، إذ انه كان يقرأ تعاليم ابوليناريوس المزوّرة -التي استعملها كيرلس- ويعتبرها من الآباء الأولين. آمن افتيخيوس بوجود طبيعتين للمسيح قبل التجسد (ربما يكون قد شايع اوريجنس الاسكندري في نظرية الوجود الأزلي للأرواح)، غير انه لم يعترف سوى بطبيعة واحدة بعد التجسد معتقدا بأن اللاهوت قد امتص الناسوت الذي ذاب في اللاهوت كما تذوب نقطة عسل عندما تسقط في محيط من الماء.


⁜ كيرلس وتعبير الطبيعة الواحدة: لا ريب أنّ القدّيس كيرلّس كان يقصد بلفظ "طبيعة" (فيسيس باليونانيّة) الشخص الواحد، إذ كان يقول إنّ يسوع هو "طبيعة واحدة" مكوّنة من عنصرين، عنصر إلهيّ وعنصر إنسانيّ، أي إنّ يسوع هو "كائن فرد"، "شخص واحد"، إله وإنسان معاً. أمّا في أنطاكيّة والقسطنطينيّة، فكان لفظ "طبيعة" يعني الخصائص التي تحدّد الكائنات وتميّزها بعضها عن بعض. ففي هذا المعنى تتميّز الطبيعة الإلهيّة عن الطبيعة الإنسانيّة بالأزليّة والقدرة اللامتناهية من جهة والخلق من العدم من جهة اخرى. وهذا ما درج إلى اليوم عن لفظ "طبيعة"، أي إنّ الخصائص والميّزات التي يتمتّع بها أيّ كائن هي التي تحدّد طبيعته.


⁜ مجمع القسطنطينية 448: في مجمع عُقد في القسطنطينية العام 448 رئسه فلافيانوس رئيس أساقفتها، قدّم اسابيوس أسقف مدينة "دورله" شكوى مكتوبة -قبلها فلافيانوس- ضد تعاليم افتيخيوس يتّهمه فيها بالهرطقة. وكان اسابيوس قد اطّلع على مجلد من ثلاثة أجزاء عنوانه "الشحاذ" (والمقصود افتيخيوس)، وضعه ثيودوريتوس أسقف قورش (الذي سيدين المجمع المسكوني الخامس كتاباته ضد كيرلس)، وقام بنشره في العام 447، والذي على أساسه اعتبر أن تعاليم افتيخيوس هي غير أرثوذكسية. أثبت هذا المجمع فساد رأي افتيخيوس وجرّده من رتبته الكنسية والرهبانية وقطعه عن الشركة. بيد أن افتيخيوس، الذي لم يرتدع، رفع قضيته إلى مجامع رومية والإسكندرية وأورشليم لإنصافه. مما جعل أن ديوسقوروس بطريرك الاسكندرية اتخذ، في مجمع محلي، قرارا اعترف فيه بدرجات افتيخيوس الكهنوتية وأعاده إلى ديره. غير أن لاون بابا رومية -على عكس قرار الإسكندرية- وافق على أعمال مجمع القسطنطينية (448)، وأصدر رسالة مجمعية شهيرة دان فيها هرطقة افتيخيوس وشرح قضية أقنوم الكلمة الإلهي الواحد في طبيعتين.


⁜ مجمع أفسس 449: من المعروف أن افتيخيوس كان مقرَّبا من الإمبراطور ثيوذوسيوس بسبب كريسافيوس وزيره، لأن افتيخيوس كان عراب كريسافيوس في المعمودية، وعليه فقد استطاع إقناع الإمبراطور بدعوة مجمع آخر للبحث في تعاليمه، وتمّ ذلك في افسس في السنة 499 . رئس هذا المجمع بطريرك الإسكندرية ديوسقوروس الذي تمكن من فرض رأيه على الآباء ال 135، وذلك بمؤازرة أساقفة مصر المتحيزين لافتيخيوس وقوة سواعد زمرة من الرهبان المتعصبين يتزعمهم برسوم السوري. برر المجتمعون افتيخيوس من كل التهم التي أُلصقت به، وحرموا بعض الأساقفة مناوئيه مثل فلافيانوس بطريرك القسطنطينية -الذي رقد بعد أيام معدودة وهو في طريقه إلى منفاه متأثرا بجراحاته بسبب الضرب الذي انهال عليه في إحدى جلسات المجمع -ودمنوس الإنطاكي وثيودوريتس القورشي. استطاع موفدو روما الهرب إلى بلادهم حاملين الاستدعاء من ضحايا هذا المجمع إلى لاون الكبير الذي سارع إلى عقد مجمع في رومية ودعا مجمع افسس بـ"المجمع اللصوصي". حاول أسقف رومية مرارا عديدة إقناع الإمبراطور ثيوذوسيوس بعقد مجمع مسكوني في ايطاليا، غير أن محاولاته كلها باءت بالفشل.


⁜ إلتئام المجمع: في السنة 450 رقد الإمبراطور ثيوذوسيوس الثاني فخلفته بوليخاريا شقيقته التي وافقت على الزواج من مركيانوس قائد جيشها لمشاركتها بإدارة المملكة شريطة أن تبقى عذراء. أرجع مركيانوس الأساقفة المنفيين واستجاب لطلب البابا لاون، فدعا إلى مجمع في مدينة "خليقدون" اعتبرته الكنيسة الشرقية والغربية المجمع المسكوني الرابع. التأم مجمع خليقدونية في السنة 451 وشارك فيه 630 أسقفا، أبطلوا جميعهم مجمع افسس اللصوصي، ودانوا هرطقتي افتيخيوس ونسطوريوس معاً، وحرموا ديوسقوروس أسقف الإسكندرية لتمنُّعه عن المثول أمام المجمع، على الرغم من دعوته ثلاث مرات إلى الحضور، وتاليا لتحيّزه وعدم أخلاقيته اللذين أظهرهما في مجمع افسس. قابل الآباء بحرارة رسالة لاون التي حال ديوسقوروس -في مجمع افسس (449)- دون قراءتها، وفيها يُفرّق لاون بوضوح خالص بين الطبيعتين – يشرح بوضوح وجود الطبيعتين في الأقنوم الواحد. وأعربوا عن إيمانهم بالابن الواحد "الكامل من حيث الوهيته والكامل من حيث إنسانيته، الإله الحقّ والإنسان الحقّ، واعترفوا "باتحاد الطبيعتين اتحادا جوهريا بلا انقسام ولا انفصال ولا اختلاط... وبأنه اتحاد حقيقي في الجوهر والتركيب"، فـ "في المسيح اقنوم واحد مؤلَّف من طبيعتين متميّزتين: اللاهوت والناسوت". ومن أهمّ ما ورد في هذا التحديد: "إنّ المسيح هو نفسه تامّ في الألوهة وتامّ في البشريّة، إله حقّ وإنسان حقّ. إنّه مساوٍ للآب في الألوهة ومساوٍ لنا في البشريّة، شبيه بنا في كلّ شيء ما خلا الخطيئة. قبل كلّ الدهور وُلد من الآب بحسب الألوهة، وفي الأيّام الأخيرة هو نفسه، لأجلنا ولأجل خلاصنا، وُلد من مريم العذراء و الدة الإله ، بحسب البشريّة. واحدٌ هو، وهو نفسه المسيح، ابن الله، الربّ، الذي يجب الاعتراف به في طبيعتين متّحدتين دون اختلاط ولا تحوّل ولا انقسام ولا انفصال. وهو لم ينقسم ولم ينفصل إلى شخصين، بل واحدٌ هو، وهو نفسه الابن الوحيد، الإله الكلمة، الربّ يسوع المسيح". في هذا التحديد الخلقيدونيّ أعاد الآباء التشديد على دستور الإيمان. كما شدّدوا على أمرين هامّين في ما يختصّ بشخص يسوع المسيح: الأمر الأوّل هو وحدة الشخص في السيّد المسيح، وهذا ما تدلّ عليه إشارة "واحدٌ هو، وهو نفسه"؛ فيسوع هو شخص واحد، وهو نفسه كلمة الله الأزليّ المولود من الآب قبل كلّ الدهور والمولود من السيّدة مريم في البشريّة. والأمر الثاني هو محافظة كلّ طبيعة من الطبيعتين على خصائصها في وحدة الشخص. فالكلمة صار بشراً واتّخذ الطبيعة البشريّة كلّها ما خلا الخطيئة، دون أن يتخلّى عن طبيعته الإلهيّة. برّأ مجمع خليقدونية ثيودوريتس القورشي وإيفا الرهاوي وبعض الأساقفة الآخرين، وذلك بعد تأييدهم قطع نسطوريوس واعترافهم بان مريم هي والدة الإله وإنكارهم تقسيم الابن الوحيد إلى اثنين. وسن المجمع ثلاثين قانونا، أشهرها القانون الثامن والعشرون المتعلق بالمساواة بالكرامة بين أسقفي روما القديمة وروما الجديدة (القسطنطينية)، وحرر أورشليم من سلطة القيصرية وأعطاها المرتبة الخامسة بين الكنائس الكبرى.


⁜ الخاتمة: مع أنّ هدف الآباء الخلقيدونيّين هو بتّ مسألة وحدة الشخص في المسيح مرّة وإلى الأبد، مع التشديد على الطبيعتين فيه، لم ينجح المجمع في لمّ شمل كلّ الكنائس على الاعتراف بتحديداته العقائديّة، وذلك بسبب استعماله تعبير "الطبيعتين في المسيح" الذي يعني، عند الكنائس الشرقيّة ذات التقليد القبطيّ والأرمنيّ والسريانيّ وجود "شخصين في المسيح"، وهذا بالضبط ما رفضه الخلقيدونيّون رفضاً باتّاً، بتأكيدهم وحدة الشخص في المسيح. لذلك، شاع عن تلك الكنائس أنّها مونوفيزيّة، أي الكنائس "القائلة بالطبيعة الواحدة". لقد تبيّن بعد حوالي ألف وخمس مئة سنة أنّ الخلاف بين الكنائس الخلقيدونيّة، أي الأرثوذكسيّة والرومانيّة، والكنائس غير الخلقيدونيّة (فهي ليست مونوفيزيّة لأنّها لا تقول بالطبيعة الواحدة، لذلك من الأفضل استعمال تعبير "غير خلقيدونيّة")، أي القبطيّة والأرمنيّة والسريانيّة، هي خلافات على معاني الألفاظ ومدلولاتها، ولم يكن البتّة خلافاً على العقيدة. فكلّ الكنائس المذكورة أعلاه تؤكّد ألوهة المسيح وبشريّته، وتؤكّد أيضاً وحدة الشخص في المسيح. رجاؤنا كبير بأن ترى أعيننا دفن هذا الخلاف بين الكنائس والتعييد للوحدة.


⁜ اختار آباءُ الكنيسة لإنجيلِ اليوم بمناسبة هذا المجمع قولَ المسيح التالي: "أنتم نورُ العالم". كلمةُ نورِ العالم كلمةٌ كبيرةٌ وهامةٌ وعظيمةٌ. دون نورٍ لا تنتفع أعيننا من الرؤية، الرؤيةُ تحتاجُ إلى نورٍ، هنالك الشمسُ وهنالك الكواكبُ وهنالك الأنوارُ الساطعةُ بوساطة الكهرباء كلّها تعطي نورٌ وكلّ هذا آتٍ من أنّ الله يوم خلقَ العالم خلقَ فيه نور. ولكن النور المقصود اليوم هو نورٌ إضافيٌّ استثنائيٌّ يكشفٌ لنا أنّ الإنسانَ الذي يُرى بنورٍ يشعُ منه هو إنسانٌ يحملُ الله، يحملُ المسيحَ، وبداخله نورُ الألوهة التي أعطت النورَ وهي التي نحتاجها اليوم لتكون النورَ، من أجل أن نرى من خلالها بعضنا البعض. يقول الرب يسوعُ متابعاً لآيته الأولى "أنتم نور العالم" "هكذا ليضئ نوركم قدام الناسِ ليروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" نحن أدواتٌ أيضاً نساعدُ الآخرين بالنور الذي نحمله لكي يتواصلَ مع مصدره الذي هو الله الآب فيمجدونه ويسبحونه وهكذا نحيا كعائلةٍ حقيقيةٍ، الله في السماء أبونا وربّنا وملهمنا ونحن كأعضاء لأسرته بعضنا مع بعض نتحابب ونخدم ونلبي طلبات بعضنا بعض بقلوبٍ نقيةٍ وأيادٍ نظيفة.
على هذه الصورة نكون قد حققنا إرادة الله. الإنجيلُ هذا الذي سمعناه وُضع من أجل وصفٍ لهؤلاء الآباء 630 الذين شكلوا المجمع الخلقيذوني الرابع أي أنهم كانوا حقاً نوراً للعالم ونحن بحسب تعليمهم الذي علّموه، الذي أعطونا إياه والذي نسير على سنّته هو آتٍ من الاستنارةِ الحقيقيةِ من ذاك النورِ الذي ألهم عقولهم وقلوبهم لكي يخطوا لنا العقيدة المسيحيّة والطريقَ نحو الملكوت، فلنكن مقتدين بهم وليكونوا هم دائماً قدوةً لنا من خلال المسيح الساكن فيهم ليسكن فينا.


 

صـــوم الرســــل.


إنَّ صوم الرسل هو من الأصوام التي تحمل معاني روحيّة غاية في الأهمية بالنسبة للكنيسة.
صوم الرسل هو حقيقة تاريخية تستمد قوتها وديمومتها من كيان الكنيسة القائم الآن، وليس ذلك فحسب، بل إن كيان الكنيسة نفسه يستمد بداية وجوده تاريخياً وروحياً من هذا الصوم عينه.

إنه أول صوم تم فيه وبواسطته أول عمل للكرازة والتبشير. هو الصوم الذي وُلدت فيه الكنيسة وظهرت للوجود وتَحَدَّد شكلها في أورشليم وخارجها، أي إنه كان، ولا زال وسيظل أبداً، هو صوم الكرازة والخدمة والتبشير؛ فهو متعلق أساساً بالشهادة للمسيح. لذلك جاء توقيته بعد حلول الروح القدس، باعتبار أن حلول الروح القدس إشارة لبدء حركة الخدمة.
فاقتران الروح القدس مع صوم الرسل يكوِّن في الحقيقة صُلب الشهادة وقوتها. والكنيسة الجامعة كلها مديونة لصوم الرسل كيوبيل حي دائم، تعيِّد له على ممر الأجيال كنقطة انطلاق مضيئة تبدأ منها رحلتها لتجديد نشاطها وكرازتها كل عام.
آمين


✥ اثنين الروح القدس: فلتمجد روحَ الرب كلُّ نسمة الذي به قحة الأرواح الشريرة تباد متحطمة. إنه في نهار الخمسين ذاته حضر إلى الرسل القديسين جوهرياً بشكل ألسنةٍ نارية واستقر على كل واحدٍ منهم في العليّة التي كانوا مقيمين فيها. فلأجل إكرام الروح القدس قد رتّب بإلهام إلهي الآباء الإلهيون الذين رتّبوا كل شيءٍ حسناً أن يُعيد له في العنصرة ذاتها وثاني يوم موزعاً. لأن المخلص لما كان قد أوعدهم قبل الآلام بورود المعزي قائلاً "خيرٌ لكم أن أنطلق أنا لأنني إن لم أنطلق لم يأتكم البارقليط". وأيضاً "عندما يأتي ذاك فإنه يعلمكم ويرشدكم إلى كل حق". وأيضاً "أسأل الآب أن يرسل لكم معزياً آخر روح الحق الذي من الآب ينبثق". وبعد الآلام أيضاً عندما صعد إلى السماء قال: "أما أنتم فالبثوا في أورشليم إلى أن تلبسوا قوةً من العلاء". فإذاً أرسله إذ قد أوعدهم به. لأنهم لما كانوا ينتظرونه في الغرفة عند كمال أيام الخمسين عند الساعة الثالثة من النهار بغتة صار رعد من السماء حتى تقاطر كثرة الحاضرين من المسكونة وظهر الروح القدس بشكل ألسنة نارية على كل واحدٍ منهم ليس فقط على الاثني عشر بل وعلى السبعين وتكلموا بألسن غريبة أي كل واحدٍ من الرسل تكلم بألسنة الأمم كلها ليس أن الغريب كان يسمع لغته أيضاً لما كان يتكلم الرسول بلغته الخاصية بل أن الرسول كان يسمع ويتكلم بلسان كل أمةٍ. فلهذا الحال ظن المجتمعون أنهم سكارى لأنه من حيث أنه لم يعلم كل أحد كيف أن الرسول كان يخاطب الجميع على انفراد فظنوا أنه قد سكر وغيرهم تعجبوا قائلين: ماذا عسى يكون هذا لأن هؤلاء كانوا مجتمعين للعيد من جميع أقطار الأرض من العجم والديلم وأهل الأهواز الذين كانوا مأسورين من انتيوخُس من زمان قريب. فلما مضى عشرة أيام بعد الصعود حضر الروح القدس ولم يحضر حالاً في وقت صعوده لكي يجعل التلاميذ متوقعين له بأشد حرارة وقد زعم البعض أن في كل يوم من الأيام كانت تتقدم طغمةً من الطغمات الملائكية فتجسد لتلك البشرة المتألهة فإذاً لما كملت التسعة أيام حضر الروح القدس في اليوم العاشر لما صارت المصالحة بوساطة الابن. أما أنه بعد الخمسين يوماً من الفصح فلتذكار الناموس العتيق لأن إسرائيل بعد اجتيازه البحر الأحمر أخذ العشر كلمات فانظر إلى الرسوم والإشارات هناك جبله ههنا علية هناك نار ههنا ألسنة نارية وعوض الرعود والضباب هناك ههنا ريح عاصفة. وأما أن الروح القدس قد انحدر بشكل ألسنة فهو ليدل بأن له اختصاص بالكلمة الحي أو ليدل أن الرسل قد ازمعوا أن يعلموا الأمم ويقودوهم بالألسن. وأما أنها نارية لأن الله نار مبيدة وأيضاً لأجل التطهير. وأما أنها مقسمة فلأجل المواهب. وكما انه في القديم بلبل لسان الذين كانوا يتكلمون بلسانٍ واحدٍ وقسمهُ إلى ألسن كثيرة هكذا والآن قسم لسان المتكلمين بلسان واحد إلى لغات كثيرة لكيما يجمع المشتتين من تلك الألسن في أقطار المسكونة. وأما أنه صار في العيد فلكي تشيع الجموع المتكاثرة بهذا الفعل في كل مكان وان الحاضرين في الفصح والمشاهدين الأشياء التي صارت على المسيح يتعجبون. وأما في العنصرة لأنه وجب أن في ذلك الوقت الذي فيه أعطي الناموس قديماً في مِثله تنسكب نعمة الروح حسبما عمل المسيح في الفصح الناموسي مكملاً فصحه الخاص الذي هو الفصح الحقاني. لكن الروح ما جلس على فم الرسل بل على هاماتهم شاملاً الرئاسي الذي هو أعظم من الجسد والعقل ذاته الذي منه يتكلم اللسان أو على نوعٍ ما لكون الروح بوساطة اللسان يبدي صوتاً كأنه يشرطن الرسل معلمين لكل ما تحت السماء بحلوله على رؤوسهم لأن الشرطونية (أي وضع اليد) يصير على الهامة. وأما الصوت والنار فلأن وفي سيناء هذان قد صارا لكيما يظهر أن الروح هو ذاته المشترع في ذلك الوقت والآن وهو الآمر والمرتب الكل. وأما أن الجمع ارتج من صوت الريح فلأنهم توهموا أن جميع ما وعد المسيح لليهود عن انقلابهم قد امتلك غايةً. وقال أنه شبه النار لكي لا يظن أحد الروح القدس هو شيء جسداني. أما الرسل فتوبخوا بالسكر إلا أن بطرس وقف وتكلم في وسط الجمع وكشف لهم بأنهم لا يفهمون الحق وأورد في قوله نبوة يوئيل واقتاد منهم نحو ثلاثة آلاف. ويُقال أن الروح القدس معزٍ لأنه يقدر أن يعزينا ويريحنا لأننا اتخذناه عوض المسيح وبوساطته قد امتلكناه ولأنه يتوسل عنا إلى الله بأصواتٍ لا تُلفظ بما أنه محب البشر يشفع فينا كمثل المسيح لأن وذاك (أي المسيح) هو معزٍ لهذا السبب يُقال أن الروح القدس معزٍ آخر لأن الرسول يقول: "لنا معزٍ عند الله يسوع" وقيل آخر لأجل المساواة في الجوهر لأن لفظة آخر وآخر تدل على اتفاق الجواهر والطبائع وأما لفظة غير وغير قد علمنا أنها تدل على اختلاف الطبائع هذا الروح القدس لم يزل في الآب والابن دائماً فلذلك يبدع معهما الكل وهذه القيامة العتيد كونها ويعمل كل ما يشاء يقدس يفرز يجدد الرسل يحكم يمسح أنبياء ويُقال على الإطلاق أنه يفعل كل شيء بما أنه لم يزل سائداً بذاته كلي الاقتدار صالحاً مستقيماً رئاسياً وبه كل حكمةٍ وحياةٍ وحركةٍ ومهما اشترك بقداسةٍ وبكل نوع من الحياة. وعلى الإطلاق هو مالك كل ما هو للآب والابن ما عدا عدم الولودة والولودة وهو ينبثق من الآب. فعندما انسكب الروح على كل جسد امتلأ العالم من جميع أصناف المواهب وبواسطته كل الأمم انقادوا إلى معرفة الله وكل مرض استؤصل وكل استرخاء. إن الروح قد أعطي إلى التلاميذ من المسيح ثلاث مرار فقبل الآلام بنوع غامض جداً وبعد القيامة بوساطة النفخة بنوع أوضح والآن قد أرسله جوهرياً بل الأفضل أن يقال أنه هو قد انحدر بنوع أوفر كمالاً منيراً إياهم ومقدساً وبوساطتهم أيضاً قد اختص لذاته أقطار العالم. فبورود روحك القدوس وبشفاعات رسلك أيها المسيح الإله ارحمنا آمين.

 

✥ لماذا حلّ الروح القدس على السّيّد المسيح بهيئة حمامة، بينما حلّ على التلاميذ بشكل ألسنة نار؟
1- النار تستخدم للتطهير، و السيد المسيح لا يحتاج إلى تطهير، لأنّه بلا خطيئة.
2- الألسنة من أجل المواهب والسيد المسيح لايحتاج الى مواهب، لأنّ فيه كلّ كنوز المعرفة والحكمة.
3- في بداية الخليقة، كان روح الله يرفّ على وجه المياه .
4- الحمامة رمز البساطة والوداعة.
5- حمامة نوح تعلن عن البداية الجديدة، وفي المعمودية الولادة الجديدة.
6- الحمامة كانت الطير الذي يستخدم في ذبائح العهد القديم.
7- الكنيسة توصف في سفر نشيد الأنشاد بالحمامة.

 


“اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: سَتَكُونُ لأَرْضِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ يَوْمَ الدِّينِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ. ” (مت10: 15)

 

إنّ الإنفصال الروحي عن الله في حياتنا على الأرض (الموت الرّوحي) يعني فقدان الشركة والعلاقة الرّوحيّة التي خُلق الإنسان ليحيا ويتمتع بها .. إنه الحرمان من رؤية مجد الرب وإشراق نوره فينا والتمتّع بذلك الإله العظيم، أي الدخول في شركة مع الله والاتحاد به بكل ما في ذلك من حقوق وامتيازات.
إن روح الإنسان، التي هي نسمة من الله، قد وُهبت له لتحيا بها معه، لأنها إذا ما حُرِمت من الله ولم يعد لها القدرة أو السلطان أن تقود النفس والجسد للحياة، فيصبح الإنسان تحت سيطرة الجسد أو النفس .. أي تحت سيادة الحياة المادية (الغير روحيّة). هذا هو الفراغ الرّوحيّ الهائل.. الجوع والعطش للشبع الحقيقي (الشبع الرّوحيّ) الذي صار الإنسان يحمله بداخله. وهذا ما اختبره آدم عندما أكل من شجرة معرفة الخير والشر، وهي العلامة التي وضعها الله بينه وبين آدم، فحين قرر آدم وحواء أن يأكلا من هذه الشجرة قررا أيضاً أن ينفصلا عن الله.
الإنفصال عن الله هو انفصال مهما يكن، أكان كاملاً أم جزئياً، وتكون إجرته الموت!، وبدون رحمة الله لن ينجو إنسان من الموت!، هناك حلول منها التوبة والإيمان المقرون بالأعمال ورحمة الله فاحص القلوب والكلى . . .
إن الموت الرّوحيّ لكلِّ إنسان هو موت متساوي مهما أختلفت طرقه. فإذا كان اختيارنا أن نعيش في انفصال واستقلال عن الله في هذه الحياة فسيكون حكم الله أن نبقى هكذا إلى الأبد في إنفصال دائم عنه، ما لم يحدث التغيير. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان.
آمين


f t g