• 1

  • 2

  • 3

  • 4

Copyright 2020 - Propriété AGOAP - 2014

Epiphanie

 

الظهور الالهي
للمتروبوليت جورج خضر. (سنة ٢٠١٢)

 

يا اخوة، واضح من عبارة بولس الالهي من هذه الكلمة ما أرادت الكنيسة ان تعيد له هو ظهور الثالوث الاقدس. عقيدتنا نحن أننا نؤمن بإله واحد في ثلاثة اقانيم. ظهرت الاقانيم الثلاثة بوجود الاقنوم الثاني، اعني الابن في الماء. ثم، ظهر الآب بصوت بشري قائلا "هذا ابني الحبيب" او " انت ابني الحبيب الذي به سررت". وظهر الروح القدس بصورة حمامة. اتخذ هذه الصورة ليدل الله بذلك على انه آب وابن وروح قدس.
ما علاقة هذا بالمعمودية؟ المؤمنون يركزون على المعمودية. يسمونها باللغة الدارجة "الغطاس". الغطاس كلمة عامية تدل على ان يسوع غطس في نهر الاردن. عندنا شيئان. عندنا الظهور الالهي كما سمعتم هذا في الانجيل. ظهور الآب. ظهور الروح القدس بهيئة حمامة. ظهور الابن بالجسد، هذا الذي كان غارقا في نهر الاردن.
العلاقة بين ما نسميه الظهور الالهي ومعمودية المسيح، ان الله الآب ظهر على المسيح المتواضع. المعمودية كما نمارسها اليوم في الكنيسة مع الاطفال، نغرّق الولد بالماء، يعني نميته بدون ان نميته فعليا جسديا. نصور انه يموت مع المسيح.
عندما نكون تحت الماء نكون امواتا. وعندما ننهض من الماء نحيا. من لا يغرق يعيش. ما معنى كل هذا الكلام؟ يسوع اعطى شيئين في هذا العالم. اعطى موته وقيامته. نحن نحيا بموته على الصليب. ونسمي الصليب المجيد المحيي، وليس الذي يميت. يميت في الاول ولكن في النهاية يحيي. الصليب هو المحيي. فكما ذاق المخلص موتا بالجسد، وذاق القيامة من بين الاموات، هكذا نحن لا نموت. ولكن نميت الشهوات الكامنة فينا. كل شغلنا في الحياة المسيحية وكل تعليمنا غايته ان يتحرر من شهواته ويعيش مع المسيح.
عندما نعمد ولدا، نقول له بشكل صورة " غرقناك الآن بالماء حتى تغرق خطاياك". لم تنته القصة عند حدود الماء والصابون، بل ابتدأت القصة. يبدأ هذا المسيحي ان يفهم ان كل حياته هي مكافحة خطاياه. ليس عنده شيء آخر الا ان يقطع الخطيئة من جذورها. لانه لا يقدر ان يؤمن بالله اذا كان يلح على الخطيئة. لا يتفق الله مع الخطيئة. اذا، عليك ان تبغض الخطيئة التي فيك. واعطيناك المعمودية لكي تتذكرها كل يوم. فانت لم تتعمد عندما كان عمرك عشرة ايام او شهر او كذا، انت تعمدت لكي تبقى معمدا. مثلما غرقناك بالماء تغرق انت خطيئتك. المعمودية عمليا مستمرة كل الحياة. بشكلها صنعناها مرة واحدة يوم تعمد الطفل. ولكن بحقيقتها وبمعناها وبمغزاها هي ا ن نميت الخطيئة التي فينا، وننهض من الماء. اي ان نعيش مع المسيح آخذين قيامته في كياننا.
الله كثالوث اقدس ظهر على نهر الاردن على المسيح الذي يتعمد. معنى هذا انه ظهر ايضا على الانسان المتواضع والذي يعرف والذي يريد والذي يصر ان يميت خطيئته وبعده عن الله والحقد والبغض والغضب والكذب وكل خطيئة فيه ليعيش مع المسيح.
نحن عمدناك لكي تقتل الخطيئة التي فيك. فعندما تقتل الخطيئة التي فيك وتريد ان تقتلها. السؤال. من يكذب منا قرر ان يصير صادقا؟ من يسرق ويحتال على الطريقة اللبنانية. كيف يسمي نفسه مسيحيا من يعيش على البغض والكره؟ شخص لا نتكلم معه منذ اربعين سنة. كيف هذا! كلهم يأتون. الذين يتكلمون مع بعضهم، والذين لا يتكلمون مع بعضهم. الذين يحبون بعضهم، والذين لا يحبون بعضهم. كلهم يأتون الى الكنيسة. كيف هذا يصير! كيف يظهر الله عليهم؟ كيف يحركك الله؟ كيف يكون الله في قلبك؟ وهذا الشخص الذي تكرهه لم تجعله في قلبك.
الله يعيده عليكم بالمعاني التي قلتها. صحيح اننا اخذنا ماء، ولكن لكل هذا معاني. نحن نشرب من هذا الماء وننضح به بيوتنا حتى نقول لله " بدنا نصير ناس جدد. بدنا نغتسل بنعمتك". كل يوم نغتسل بقوة الله وبمحبته. كل يوم هو ظهور الهي.
الله يعيد عليكم معاني هذا العيد والتجدد. الله يعيد عليكم هذا العيد كل يوم. ارجو ان يظهر الله في قلب كل منكم، ليراكم انقياء.
تفريغ الايبوذياكون مكسيم الصباغ
آمين


 

الألوهة الواحدة بالثالوث.
عظة للقديس غريغورويوس اللاهوتي:

 

عندما أذكر الّله ًفليُنِركم نور واحد، وفي الوقت ذاته أنوار ثلاثة من حيث(الخواص) أي ثلاثة أقانيم، إذا شاء أحدكم أن يسمي الخواص أقانيم أو أشخاصاً (ولا خلاف في التسمية ما دامت هذه الكلمات تعني شيئاً واحداً).
الألوهة واحدة في الجوهر تنقسم بدون انفصال أو تجزئة، وتتحد وتبقى منقسمة لأن الألوهة واحدة في ثلاثة أقانيم، والثلاثة الأقانيم جوهر واحد في الألوهة.

إننا سنتحاشى التطرّف والحذف غير جاعلين من الوحدة تشويشاً ومن الإنقسام فعلاً وغربةً حتى يبقى موقفنا بعيداً عن مذهب سيفيليوس في مزج الأقانيم، ومذهب آريوس في التقسيم والتفريق بين الأقانيم، وكلا المذهبين غارقان في الضلال، وكلاهما في اعتبار واحد من المذهب وشر الاعتقاد. لأنه ما هو الموجب إلى هذين المعتقدين الرديئين في المزج والتفريق؟

إننا نعتقد بإله واحد، الآب الذي منه كل شيء، ورب واحد يسوح المسيح الذي به كان كل شيء، وروح قدس واحد الذي فيه كل شيء. الأقانيم الثلاثة هي بلاهوت واحد.

ولكي يربط الّله بين السماء والأرض، وُتملأ الدنيا بمجد الله، خلق الإنسان الذي أكرمه بالصورة الإلهية. ولما سقط الإنسان في الخطيئة، وابتعد عن ربه بحسد الشيطان، لم يتغافل عنه ولم يهمله. ماذا حدث؟ وما هو التدبير في استدراك هذا السقوط؟ وما هو السر الرهيب العجيب الذي صار من أجلنا؟ تتجدد الطبيعة، والله يصير إنساناً ويسمّى ابن الإنسان لا يعني هذا أنه تغيّر مما هو عليه، فهو غير متغير، بل اتخذ ما لم يكنه (لأنه محب للبشر) فيصير غير الموسوع موسوعاً، ويخاطبنا بالجسد كما هو من وراء الحجاب. لأن الطبيعة البشرية الخاضعة للفساد لاتستطيع أن تحتمل ألوهيته إذا ظهرت. ولذلك اتحد الشيئان المتضادان: الولادة مع البتولية، وغير المتألم مع الألم، وغير المائت مع الجسد المائت! وبما أن مخترع الشر ظن أنه لا يُغلب ما دام قد خدعنا، انخدع هو ذاته بظهور المجد بمهاجمته لآدم الجديد فاصطدام بالله، وهكذا خّلص آدم الجديد آدم القديم، وحلّ دينونة الجسد مميتاً الموت بالموت.
آمين


 

 

nouvel an 2020

طلبة رأس السنة،


تقال في رأس السنة بعد نهاية خدمة القداس الإلهي.


أيها الرب إلهنا، يا من أقام بسلطانه الأزمنة والأوقات، الأزلي والأبدي، الدائم وجوده، والكائن هكذا هو هو، ولا يعتريه تحول، يا من يكمل الأشياء كلها، يا من أهلنا بعواطف رحمته التي لا توصف لأن نصل إلى سنة جديدة. أنت أيها السيد الكلي صلاحه، بارك بنعمتك الإلهية هذه السنة، واجعلها سنة خير باعتدال الفصول، ووفرة غلال الأرض، وانتظام الرياح.


وأعطنا أن نجوز السنة المقبلة بسلام ووئام، متزينين بإكليل الفضائل، وسالكين بنور وصاياك كأبناء للنهار.


واحفظ كنيستك المقدسة بسلام، واعضد بقدرتك حكامنا وهبهم سلاماً وطيداً لا ينتزع. هذّب الأحداث، شدّد الشيوخ، إجمع المتفرقين، رد الضالين وضمّهم إلى كنيستك المقدسة الجامعة الرسوليّة. أصبغ على الجميع صلاحك وبرّك وسلامك، وأهّلنا لأن نمجّدك ونسبّحك بفم واحد وقلب واحد أنت الإله المثلّث الأقانيم، الأبدي والأزلي، المبارك إلى دهر الداهرين. آمين


 

القديس دانيال النبي والفتية القديسون الثلاثة حنانيا وعازريا وميصائيل:

 

 

القديس دانيال النبي هو الذي تسمى السفر الرابع من أسفار الأنبياء الكبار باسمه بعد إشعياء وإرميا وحزقيال. هذا وفق ترتيب الترجمة السعينية لأسفار العهد القديم. وقد ورد أكثر أخباره في هذا السفر. كما ذكرته قصّة سوسنّة وقصّة بال والتنّين الواردتان، في الترجمة السبعينية، مباشرة قبل سفر المكابيّين الأول. أما الفتية الثلاثة القدّيسون فنلقى روايتهم في سفر دانيال النبي عينه. ولهم، في الترجمة السبعينية، نشيد يعرف بـ "نشيد الفتية الثلاثة" تجعله الترجمة السبعينية قبل قصّة سوسنّة مباشرة.


يذكر أن الترجمة الكاثوليكية العربية للكتاب المقدس تثبت نشيد الفتية الثلاثة كتتمة للإصحاح الثالث من سفر دانيال، فيما تجعل قصة سوسنّة في الإصحاح الثالث عشر من السفر وقصّة بال والتنّين في الإصحاح الرابع عشر.


دانيال النبي ورفقته: هو أحد أمراء بني إسرائيل الذين أجلاهم نبوخذ نصّر، ملك بابل، إلى بلاده بعدما استولى على أورشليم في حدود العام 597 ق.م في السنة الثالثة من ملك يوياقيم، ملك يهوذا. وقد اختير دانيال من ضمن مجموعة من الأمراء الفتية الذين "لا عيب فيهم، حسان المظهر يعقلون كل حكمة ويدركون العلم ويفقهون المعرفة، ممن يكونون آهلاً للوقوف في قصر الملك ولتعلّم أدب الكلدانيين ولسانهم" (دانيال4:1). وكان من المفترض أن تُعدَّ المجموعة خلال ثلاث سنوات في ما يشبه الأكاديمية الملكية ثم توضع في خدمة الملك. كان دانيال في حدود السابعة عشرة من عمره، وقد أعطي اسم بلطشصّر وحُدّدت له حصّة يومية من طعام الملك وخمر شرابه. الأمر نفسه حصل لفتية ثلاثة آخرين من أمراء إسرائيل هم حنانيا وميصائيل وعازريا. وقد أعطي الأول اسم شدراخ والثاني اسم ميشاخ والثالث اسم عبدناغو.


ولكن لم يشأ دانيال ورفقته أن يتنجّسوا بطعام الملك وشرابه. أغلب الظن لأنه كانت له علاقة بالأوثان. ذاك كان عندهم حراماً يوازي الشرك وتالياً الكفر بإله إسرائيل. فسألوا رئيس الخصيان المولّج إليه أمر العناية بهم أن يعفيهم فوافقهم، بعون الله، بعد لأي، فاكتفوا من الطعام بحبوب القطاني ومن الشراب بالماء. وكانت النتيجة أن بساطة طعام الأربعة، على بركة الله، متّعتهم بصحة وعافية فاقتا سائر الشبّان الذين اغتذوا بمآكل الملك.


"وأعطى الله أولئك الفتية الأربعة معرفة وفهماً في كل أدب وحكمة. وكان دانيال ذا فطنة في جميع الرؤى والأحلام" (دانيال17:1). فلما وقفوا أمام الملك فيه الوقت المعيّن لهم فاقوا بعشرة أضعاف جميع السحرة والعرّافين في المملكة.


الحلم وتفسيره: وسنحت الفرصة لدانيال أن يظهر علمه وحكمته وأن يعلو شأنه يوم عاين نبوخذ نصّر الملك، أثناء رقاد النوم، حلماً أقلقه، فطلب أن يبيِّن السحرة والعرّافون والرقاة والكلدانيون الحلم وتفسيره. لم يكتفِ بالتفسير لأنه قال يكذبون عليّ، ولكن لو عرفوا الحلم أولاً لأمكنني تصدبقهم. فأجاب الكلدانيون أنه لا طاقة لإنسان على ذلك سوى الآلهة "الذين لا سكنى لهم مع البشر" (دانيال11:2). فغضب الملك وطلب أن يُبادوا. فلما بلغ دانيال قرار الملك استوضح الأمر ثم طلب مقابلته. فلما دخل عليه استمهله زماناً لتبيان الحلم وتفسيره فأمهله. والتمس الأربعة، دانيال ورفقته، رحمة ربّهم فانكشف له السرّ في رؤيا الليل. عاد دانيال إلى الملك وأبان له الحلم وتفسيره، فسقط "نبوخذ نصّر على وجهه وسجد لدانيال، وأمر أن تُقرَّب له تقدمة وبخور رضى". واعترف الملك بأن إله دانيال إله الآلهة حقاً وربّ الملوك... (دانيال46:2...). ثم أعطاه هدايا عظيمة كثيرة وسلّطه على كل إقليم بابل وجعله رئيساً أعلى على جميع حكماء بابل. كما وُلّي شدراخ وميشاخ وعبدناغو بناء لطلب دانيال على شؤون إقليم بابل.


تمثال الذهب وأتّون النار: بعد ذلك بزمن نصب نبوخذ نصّر تمثالاً من الذهب وأمر أن يسجد له جميع الناس فأطاعه الخلق كلهم. ولكن وشى الكلدانيون بالفتية الثلاثة إنهم لم يذعنوا. فأرسل الملك في طلبهم غاضباً وهدّد بإلقائهم في وسط أتّون النار المتّقدة إن لم يفعلوا. فأبى الثلاثة أن يسجدوا لغير إلههم وأسلموا لربّهم. إذ ذاك أمر الملك بإحماء النار سبعة أضعاف وإلقاء الثلاثة فيها وهم في سراويلهم وأقمصتهم وأرديتهم وألبستهم. فمن لظى النار احترق الذين أتوا بالثلاثة إلى الأتّون. كان الثلاثة موثقين. وعوض أن تلتهم ألسنة اللهب الفتية نزل ملاك الرب إلى الأتّون وطرد لهيب النار وجعل في وسط الأتّون ما شبه نسيم الندى المنعش فلم تمسّهم النار البتّة، لا هم ولا ألبستهم، فأنشدوا وسبّحوا وباركوا الله. أما عازريا فتفوّه بكلام طالما ردّدته الألسن في الكنيسة على مدى الأجيال لأنه تخطى الفتية الثلاثة إلى كل شعب الله: "...يا رب إله آبائنا... عادل أنت في كل ما صنعت بنا... قد أخطأنا وأثمنا وابتعدنا عنك... ولم نسمع لوصاياك ولم نحفظها ولم نعمل بما أمرتنا به لكي يكون لنا الخير... فكل ما صنعته بنا... إنما صنعته بحكم حق. فأسلمتنا إلى أيدي أعداء آثمة... والآن فليس لنا أن نفتح فمنا لأننا صرنا خزياً وعاراً نحن عبيدك... ولكن لا تخذلنا إلى الغاية من أجل اسمك... من أجل إبراهيم صفيِّك واسحق عبدك وإسرائيل قدّيسك... لم يعد لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبيّ ولا مدبّر ولا محرقة ولا ذبيحة ولا قربان ولا بخور... لكي ننال رحمتك... لكن اقبلنا لانسحاق نفوسنا وتواضع أرواحنا... فإنه لا خزي للذين يتوكّلون عليك. إننا نتبعك اليوم بكل قلوبنا ونتّقيك ونبتغي وجهك فلا تخزنا... أعط يا رب مجداً لاسمك. ليخز جميع الذين أروا عبيدك المساوئ... وليعلموا أنك أنت هو الرب الإله وحدك..." وأما الثلاثة معاً فلما لم تسؤهم النار ولم تزعجهم، فقد سبّحوا وباركوا ودعوا الخليقة كلها المنظورة وغير المنظورة إلى التسبيح معهم، أعمال الرب وملائكة الرب وسماوات الرب، والشمس والقمر والنجوم، والبرْد والحرّ والندى، والبرق والسحاب، والليل والنهار، والجبال والتلال، والبحار والأنهار، والحيتان والطيور، والبهائم والوحوش، وكل بني البشر، وإسرائيل، وكهنة الرب، وأرواح ونفوس الصدّيقين والقدّيسين المتواضعي القلوب. "لأنه أنقذنا من الجحيم وخلّصنا من يد الموت...". وكان، بعد ذلك، أن دُهش نبوخذ نصّر لما حدث لا لأن النار لم تحرق الفتية الثلاثة ولا غيّرت ألبستهم ولا لصقت بهم رائحة النار وحسب، بل لمنظر عجيب شهد له قائلاً: "ألم نكن ألقينا ثلاثة رجال في وسط النار وهم موثقون... إني أرى أربعة رجال مطلقين يتمشّون في وسط النار... ومنظر الرابع يشبه ابن الله". (دانيال24:3 وما يتبعها). ثم إن نبوخذ نصّر أعطى الفتية الثلاثة الأمان وبارك إلههم قائلاً: "تبارك إله شدراخ وميشاخ وعبدناغو الذي أرسل ملاكه وأنقذ عبيده الذين توكّلوا عليه وخالفوا أمر الملك وبذلوا أجسادهم لئلا يعبدوا ويسجدوا لإله غير إلههم... فمن إله آخر يستطيع أن ينجّي هكذا... فما أعظم آياته وما أقوى عجائبه! إن ملكوته ملكوت أبدي وسلطانه إلى جيل فجيل".
حلم الشجرة العظيمة: ثم كان بعد حين أن عاين نبوخذ نصّر حلماً آخر أقلقه. رأى شجرة عظمت حتى بلغ ارتفاعها السماء ثم نزل "ساهر قدّيس" فقطعها إلا أصلها في الأرض. والشجرة كانت بشراً أُعطي قلب وحش سبعة أزمنة. وجيء بدانيال مفسِّراً فاستفظع الحلم وخشي البوح بتفسيره إلا بعد الأمان. والكلام كان أن نبوخذ نصّر هو تلك الشجرة. فقد زادت عظمته وبلغ السماء وسلطانه أقصى الأرض، فاستكبر، والله مزمع أن يزيل عنه المُلك ويطرده من بين الناس ويُسكنه بين الوحوش ثم يردّ له عقله ويستردّه بين الناس ويعيد إليه ملكه ليتعلم أن من سار بالكبرياء فهو قادر على إذلاله (34:4) وأن المُلك لله "يجعله لمن يشاء... وجميع سكان الأرض يُحسبون كلا شيء أمامه". وقد حدث كما تفوّه دانيال وتعلّم الملك درساً قائلاً: "باركت العليّ وسبّحت وعظّمتُ شأن الحي للأبد الذي سلطانه سلطان أبدي وملكه إلى جيل فجيل" (31:4).
يد خفية وكلام: وحلّ بلطشصّر في المُلك محل نبوخذ نصّر فترفّع هو أيضاً على ربّ السماء فكانت له هذه الحادثة ضربة قاضية: دعا، مرة، ألفاً من عظمائه وشرب هو وعظماؤه ونساؤه وسراريه خمراً بآنية الذهب والفضّة التي أخرجها نبوخذ نصّر من الهيكل الذي بأورشليم. للحال ظهرت أصابع يد إنسان وكتبت تجاه المصباح على كلس حائط قصر الملك والملك ينظر طرف اليد التي تكتب. فتغيرت سحنة الملك وروّعته هواجسه واصطكّت ركبتاه. ولما طلب العرّافين والكلدانيين والمنجّمين ليفسِّروا له الكتابة أخفقوا إلا دانيال الذي قال له لأنه ترفّع قلبه واستعمل آنية بيت الرب لشرب الخمر ولم يُعظّم الذي في يده كل نسمة وعنده جميع سبل الناس، لذلك يحصي الله أيام مُلك بلطشصّر وينهيها ويقسم المملكة ويسلمها إلى ميديا وفارس. وكان كما قال دانيال، وقُتل الملك في تلك الليلة عينها.


دانيال في الجب: وأخذ المُلك داريوس الميدي فجعل دانيال أحد وزرائه الثلاثة، وقد فاق دانيال الوزراء والأقطاب جميعاً "لأن روحاً بارعاً كان فيه"، فطلب الحسّاد عليه علّة فلم يجدوا. فالتمسوا من الملك أمراً يمنع فيه الناس من الطلب إلى الآلهة أو الناس إلا إليه تحت طائلة الإلقاء في جبّ الأسود. وقد أقام الحسّاد نظّاراً يراقبون دانيال ليشتكوا عليه. وكان دانيال معتاداً أن يسجد ثلاث مرات في اليوم باتجاه أورشليم ويصلّي لله ويحمده. فلما درى النظّار بأمره نقلوا خبره إلى الملك فاغتم لأنه كان يحبّه، لكنه لأجل الرسوم والأحكام أمر بإلقائه في جبّ السود. وبات الملك ليلته قلقاً. وعند الفجر أسرع إلى جبّ الأسود ونادى بصوت حزين: "يا دانيال، عبد الله الحيّ، هل استطاع إلهك الذي تواظب على عبادته أن ينقذك من الأسود؟" فأجابه دانيال: "أيها الملك، حييت للأبد. إن إلهي أرسل ملاكه فسدّ أفواه السود فلم تؤذني لأني وّجدت بريئاً أمامه.وأمامك أيضاً، أيها الملك، لم أصنع سوءاً". ففرح به الملك فرحاً عظيماً وأمر بإخراجه من الجبّ فلم يوجد فيه أذى لأنه توّكل على إلهه، أما الوشاة فأُلقوا في الداخل فتسلّطت عليهم الأسود وحطّمت عظامهم. وقد أقرّ داريوس بشأن إله دانيال أنه هو "الإله الحي القيّوم للأبد، وملكه لا ينقرض وسلطانه إلى المنتهى. المنقذ المنجّي والصانع الآيات والعجائب في السموات والأرض..." (27:6_28).
وكان دانيال ناجحاً في ملك داريوس وقورش الفارسي معاً.
من أخبار دانيال: إلى ذلك ورد عن دانيال في قصّة سوسنّة الفتاة العبرانية الجميلة التقيّة أنه أنقذها، بما أوتي من حكمة، من عقاب الرجم بالحجارة حتى الموت بعدما اتهمها شيخان من شيوخ إسرائيل، رغبا فيها ولم تذعن لهما، بأنها زنت على زوجها، وهما شاهدان بذلك. كما ورد أن دانيال بيّن لقورش الفارسي أن بال المدعو إلهاً ليس سوى صنم صنع الأيدي وأن كهنة بال يحتالون عليه ليوهموه أن بال يأكل ويشرب، فيما هم الذين يستأثرون، في السر، بما يخصّصه الملك لبال من طعام وشراب كل يوم وهو كثير. كذلك ورد أن دانيال أبطا السجود للتنين الذي كان أهل بابل يعبدونه لما وضع في فمه أقراصاً من الزفت والشحم والشعر فأكلها وانشقّ. وورد أيضاً أنه لما كان دانيال في جبّ الأسود، كان حبقوق النبي في أرض يهوذا وقد طبخ طبيخاً وفتّ خبزاً وذهب به إلى الحقل طعاماً للحصّادين. فأخذه ملاك الرب بقمة رأسه وحمله بشعره ووضعه في بابل عند الجبّ ومعه الطعام. فنادى حبقوق قائلاً: "يا دانيال، خذ الغداء الذي أرسله لك الله!" فقال دانيال: "اللهمّ، لقد ذكرتني، ولم تترك الذين يحبّونك!" وقام دانيال وأكل وردّ ملاك الرب حبقوق من ساعته إلى مكانه.


صورة دانيال والفتية الثلاثة: على هذا تكون الصورة التي يعكسها دانيال والفتية الثلاثة القدّيسون صورة شعب عرف خطيئته وتاب عنها وتمسّك بالأمانة لإلهه كما منذ القديم، وليس يقبل أن يكون به مشركاً ولا تغيره عنه خيرات الملوك والأمم، ولا أطايب الدنيا. أن يكون في الذلّ في العالم ولكن أميناً لربّه خير له من أن يكون في عز الممالك من دون ربّه.به يجاهر بجرأة ولا يداور. حوله رب الأرباب وملك الملوك ولا يرتفع بإزائه رأس. معلّم الحكمة وسيد العطايا وحافظ خائفيه. ولا غرو فدانيال الاسم معناه "الله قاضيّ". كل هذا يأتي بعدما ضلّ إسرائيل سواء السبيل وفرّط بإلهه حتى سباه ربّه إلى بابل لينقّي بالألم والنار زغله ويمدّه، من جديد، إلى المسيح الآتي وأورشليم الجديدة وأواخر الدهور.


نبوءات دانيال: تنتمي نبوءات دانيال إلى ما هو معروف بالأدب الرؤيوي. فبين الإصحاح السابع والإصحاح الثاني عشر أربع نبوءات فيها الكثير عن تتالي الممالك ومجيء ابن الإنسان والأزمنة الأخيرة بعض مما نقرأه في سفر دانيال نلقاه هنا وهناك في أسفار العهد الجديد لاسيما في سفر الرؤيا. دونك كلمة عن كل من هذه النبوءات: النبوءة الأولى: وهي رؤيا الحيوانات الأربع وقديم الأيام وابن الإنسان (الإصحاح7) وهي موازية لحلم التمثال العظيم الذي عاينه نبوخذ نصّر (الإصحاح2). تتناول بصورة أساسية، تتالي الممالك من بابل إلى مادي وفارس إلى الإسكندر المقدوني وخلفائه إلى ابن الإنسان ذي السلطان الأبدي الذي لا يزول. وفيها صورة قديم الأيام كما استعارها سفر الرؤيا: "لباسه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار... وتخدمه ألوف ألوف وتقف بين يديه رِبوات رِبوات".


النبوءة الثانية: وهي رؤيا الكبش والتيس، الكبش الذي يمثّل ملوك ميديا وفاس، والتيس الذي يمثّل الإسكندر المقدوني وخلفائه (الإصحاح8).
النبوءة الثالثة: نبوءة الأسابيع السبعين (الإصحاح9). هذه تتضمن صلاة دانيال بالصوم والمسح والرماد توبة عن نفسه وعن شعب إسرائيل على غرار صلاة عازريا، كما تتضمن قولة جبرائيل الملاك عن الوقت المحدّد من الله على إسرائيل وأورشليم لإفناء المعصية وإزالة الخطيئة والتكفير عن الإثم والإتيان بالبر الأبدي.


النبوءة الرابعة: وهي الرؤيا العظمى التي تشتمل على ما يحدث بين الممالك مروراً بأنطيوخوس أبيفانيوس المدعو "الحقير" الذي فتك بإسرائيل ودنّس الهيكل، وإلى آخر الأزمنة. وفيها كلام يعتبر من أهم الكلام على قيامة الجسد في نصوص العهد القديم. "وكثير من الراقدين في أرض التراب يستيقظون، بعضهم للحياة الأبدية وبعضهم للعار والرذل الأبدي..." (‪2:12‑3‬).
دانيال والفتية الثلاثة في العبادة: لدانيال والفتية الثلاثة في عبادتنا مكانة مرموقة. فنحن نذكرهم في أحد الأجداد (11-17 كانون الأول) وكذلك في أحد النسبة (17-24 كانون الأول). لماذا تعيّد لهم الكنيسة في 17 كانون الأول وفي أحد الأجداد رغم قرب العيدين أحدهما من الآخر؟ السبب نجده في الكنيسة الكبرى في القسطنطينية حيث كان العيد أصلاً في 17 كانون الأول ولكن جرت العادة هناك على نقله إلى أقرب أحد إليه. دانيال نذكره بخاصة لأقواله عن مجيء السيّد بين الناس، والفتية الثلاثة لوطئهم آتون النار وإقامة ابن الله معهم رمزاً لتجسّده وسكناه في الناس وقيامته من بين الأموات وشركة المؤمنين في القيامة. هذا وتحتل صلاة عازريا وتسبحة الفتية الثلاثة القدّيسين التسبحتين السابعة والثامنة من صلاة السحر في الصوم الكبير. ولنا بدانيال ورفقته صورة طالما استعان بها المنشدون الكنسيون، هنا وثمة، لاسيما في ما خصّ إكرام والدة الإله. دونك هذه الأنشودة مثلاً: "ليكرّم الآن دانيال العظيم في الأنبياء. لأنه قد عاين المسيح إلهنا. حجراً مقتطعاً من جبل. أعني من والدة الإله النقية. وليُمدَح معه الثلاثة الفتية الذين خلّصهم من نار الأتّون بدون مضرّة. رسمُ البتول الإلهي الغامض الوصف. الذي خلص العالم".

 


 

ألقاعدة الأخلاقيّة


يدور في أذهان الناس أنّ الوصايا العشر تحتوي كلّ الأخلاق المسيحيّة. الحقيقة أنّها نموذج وأنّ ثمّة خطايا كثيرة لا تذكرها هذه الوصايا. أضف إلى أنّ الوصيّة الثانية: «إحفظ يوم السبت لتقدّسه» هي أمر طقوسيّ يهوديّ ولم نبق مرتبطين به فالربّ بقيامته حرّرنا من يوم السبت. وإقلاعنا نحن عن العمل يوم الأحد ليس وصيّة إلهيّة. هو ترتيب كنسيّ، والأصل فيه إقامة القدّاس الإلهيّ. في العهد القديم عينه القاعدة الأشمل هي هذه: «أحبب الربّ إلهك حبّك لنفسك» (لاويّين ١٩: ١٨). هذه اتّخذها يسوع: «أحبب الربّ إلهك بكلّ قلبك وبكلّ نفسك وبكلّ ذهنك. تلك هي الوصيّة الأولى والكبرى». وبعد هذا أضاف: «والثانية مثلها: أحبب قريبك حبّك لنفسك» (متّى ٢٢: ٣٧ــ٤٠). ثمّ في إيجاز كلّيّ يقول: «بهاتين الوصيّتين ترتبط الشريعة كلّها والأنبياء». الأخلاق في تعليم يسوع هي المحبّة.


ولكن ما الرّباط بين هذه الوصيّة الجديدة والوصايا العشر؟ هنا يوضح بولس: مَن أحبّ غيره أتمّ الشريعة. فإنّ الوصايا التي تقول: «لا تزنِ، لا تقتل، لا تسرق، لا تشته» وسواها من الوصايا، مجتمعة في هذه الكلمة: «أحبب قريبك حبّك لنفسك». فالمحبّة لا تُنزل بالقريب شرًّا، فالمحبّة إذًا كمال الشريعة» (رومية ١٣: ٨ــ١٠).

قد يبدأ الإنسان بالمحافظة على الشرائع، ثمّ إذا عرف يسوع يفهم أنّ قدرتنا على إتمامها تأتي من نعمة الله. فحتّى لا تكون الوصايا سيفًا مصلتًا فوق رأس الإنسان ينبغي أن تنبع من القلب الذي استضاء بنور المسيح. هذا هو العهد الجديد الذي تحدّث عنه إرمياء بقوله: «وأُسكنهم في الطمأنينة، فيكونون لي شعبًا وأكون لهم إلهًا، وأُعطيهم قلبًا واحدًا... وأقطع معهم عهدًا أبديًّا أنّي لا أرجع عنهم» (٣٢: ٣٧ــ٤٠). فلكون الروح القدس ساكنًا فينا ونعرف الطمأنينة التي لنا من الله ننفّذ كلّ كلمة منه. فإذا صارت كلمة فينا تنبع هي بالعمل الصالح.


نحن صرنا في ملكوت المسيح وفي سيادته علينا، في ذوقنا لحبّه لنا نعمل ما يرضيه وهذا يعطينا الفرح. عند ظهور الملكوت بالمسيح أعطانا يسوع شرعة الملكوت المكثّفة في إنجيل متّى في ما يُسمّى عِظَة الجبل الواردة في الإصحاحات الـ٥ والـ٦ والـ٧ وما يقابلها في إنجيل لوقا.


هذه تبدأ بالتطويبات: «طوبى للمساكين بالروح». يسوع لا يأتي بشريعة لا يعرف العهد القديم أصولها. إنّه جاء ليكمل تلك. يسوع يحقّق النبوءة ويصل بها إلى كمالها. يجعلها ممكنة بالحبّ الذي هو أعطاه. يسوع يملأ الشريعة القديمة ويربطها بسرّ الحبّ. كانت وصيّة فوق الإنسان. الآن تأتي من الإنسان الذي أسلم نفسه للسيّد.


يسوع يصل إلى الجذور. «سمعتم أنّه قيل للأوّلين: «لا تقتل...» أمّا أنا فأقول لكم: "مَن غضب على أخيه إستوجب حكم القضاء". كذلك: «سمعتم أنّه قيل «لا تزنِ»، أمّا أنا فأقول لكم: "مَن نظر إلى امرأة بشهوة، زنى بها في قلبه". المسألة ليست أن نمتنع عن شيء خارجيّ بل أن نطهّر القلب كيلا يميل إلى السوء.
من هنا أنّ الاخلاق المسيحيّة تقوم على أن يروّض الإنسان نفسه على أن تحبّ السيّد وأن يراقبها حتّى تمتنع عن الخطيئة وتحبّ الخير. إذ ذاك، الوصايا تنبع تلقائيًّا من القلب المتطهّر.
ألمطران جاورجيوس خضر.


 

✥ القديس اسبيريدون العجائبيّ أسقف تريميثوس (+348م):

 

StSpyridon

 

نشأته: ولد القديس اسبيريدون وعاش في جزيرة قبرص. احترف رعاية الأغنام وكان على جانب كبير من البساطة ونقاوة القلب. وإذ كان محبّاً لله، نما في حياة الفضيلة، محبةً للقريب ووداعةً وخفراً وإحساناً واستضافةً للغرباء. كل من أتى إليه زائراً كان يستقبله، على غرار إبراهيم خليل الله، وكأنه المسيح نفسه. الإنجيل، بالنسبة إليه، كان سيرة حياته لا كلاماً إلهياً وحسب. كان لا يردّ محتاجاً. كل محتاج كان يجد عنده تعزية ولو يسيرة. قيل إنه اعتاد أن يستودع نقوده صندوقاً مفتوحاً كان لكل محتاج وصول إليه. لم يهتمّ أبداً بما إذا كان صندوقه فارغاً أو ممتلئاً. هذا في نظره كان شأن ربّه. هو المعطي في كل حال ونعم الوكيل! كما لم يكن ليسمح لنفسه بالحكم على المقبلين إليه إذا كانوا محتاجين بالفعل أم لا، مستحقّين أو غير مستحقّين.
‏ذكر عنه المؤرّخ سوزومينوس، في مطلع القرن الخامس الميلادي، أن زمرة من اللصوص حاولت سرقة بعض من أغنامه ليلاً فمنعتها يد خفيّة وسمّرتها في مكانها. ولمّا أطلّ الصباح واكتشف القديس اسبيريدون اللصوص وعظهم وصلّى عليهم وحلّهم من رباطهم وأطلقهم بعد أن زوّدهم بأحد كباشه. قال لهم أنهم تكبّدوا من المشاق ما لم تكن له ضرورة لأنه كان بإمكانهم أن يحصلوا على ما يريدون دون ارتكاب خطيئة قاسية كالتي ارتكبوها ودون تعريض أنفسهم للهلاك؛ فقط بمجرد السؤال. لو طلبوا منه ‏لأعطاهم! ‏هذا وتفيد الشهادات أن القديس اسبيريدون تزوّج ورزق ابنة وحيدة اسمها سلام (ايريني). فأما زوجته فرقدت بعد سنوات قليلة من زواجه وأما ‏ابنته فتبتّلت إلى أن رقدت في الرب وأبوها حي يرزق. يذكر، وفق ما أورد سوزومينوس، أنه كانت للقديس عادة أن يمسك ‏وعائلته عن الطعام أياماً في الصوم الفصحي ولا يتناول منه شيئاً. وقد كان يحدث أن يمرّ به غريب أضنته أتعاب السفر، فكان رجل الله يستضيفه برأفة وفرح ويعّد له طعاماً يتقوى به. وإذا لفته الضيف إلى أنه مسيحي وأن عليه أن يحفظ الصيام كان القديس يخفّف عنه مؤكداً أنه ليس في الطعام ما ‏ينجّس وأن للصوم استثناء. ذاع اسم القديس اسبيريدون في قبرص ذيوعاً كبيراً. فلما رقد أسقف تريميثوس، المدينة الصغيرة القريبة من السلامية، عند شاطئ البحر، وقع اختيار المؤمنين بالإجماع عليه رغم أن ثقافته بالكتب كانت متواضعة. ولم تغيّر الأسقفية من طريقة عيش القديس شيئاً لأنه استمرّ راعياً للأغنام، فقير اللباس، لا يمتطي دابة بل يسير على قدميه، ويعمل في الفلاحة. لكنه، منذ أن تسقّف، التزم مهامه الرعائية بجد كبير ومواظبة وإخلاص. كانت أبرشيته صغيرة جداً والمؤمنون فيها فقراء، لكنهم غيارى على الإيمان. لم يكن في المدينة الصغيرة من الوثنيين غير قلة قليلة. وقد جرى القديس على قسمة مداخيله إلى قسمين: قسم درج على إعطائه ‏للفقراء، وقسم تركه لكنيسته وأهل بيته وإقراض الناس. لم يعتد أن يحمل همّ الغد. يكفي اليوم شرّه ويرسل الله غداً ما لا تعلمون! هذا كان عنوانه في تعاطيه والمحتاجين.
‏لما أثار الإمبراطور الروماني مكسيميانوس غاليريوس اضطهاداً على المسيحيين لحق القديس اسبيريدون نصيب منه. فقد ذكر أنه نتيجة اعترافه بالمسيح فقد عينه اليمنى وقطع المضطهدون أوصال يده اليسرى وحكموا عليه بالأشغال الشاقة في المناجم.
لم تكن العلوم الإنسانية مألوفة لقدّيس الله لكنه كان يعرف الكتاب المقدّس جيّداً. وإذ حدث، مرة، أن التقى أساقفة قبرص معاً قام فيهم تريفيلوس، أسقف "لادري"، واعظاً. تريفيلوس، حسبما أورد القديس إيرونيموس، كان أبلغ خطباء زمانه. فلما عبر بالقولة الكتابية "قم احمل سريرك وامش" استعمل عوض لفظة "سرير" الكتابية باليونانية لفظة أخرى متأنقة لعله حسبها أفصح من الأولى وأدق وأوفق. فاستهجن قديس الله فعلته وأن يُظن أنه يضيف بذلك نعمة إلى بساطة الكلام الإنجيلي فوقف سائلاً معترضاً إذا كان الواعظ يعرف اللفظة الموافقة أكثر من الرسول نفسه، صاحب الإنجيل؟
ثم إنه قيل إن القديس اسبيريدون اشترك في المجمع المسكوني الأول الذي انعقد في مدينة نيقية، سنة325‏م، بناء لدعوة قسطنطين الملك. فلما حضر كان بهيئة راعي غنم وله صوف الخروف على كتفه، بعين واحدة ويده اليسرى ملتوية ولحيته بيضاء ووجهه مضيء وقوامه قوام رجل صلب على بساطة أخّاذة، فلم يكن من الإمبراطور والموجودين إلاّ أن وقفوا له إجلالاً بصورة عفوية. ‏وقد جاء في التراث أن القديس اسبيريدون أفحم أحد الفلاسفة الآريوسيين في المجمع. لم يفحمه بقوة الكلام بل بالبساطة وبرهان الروح القدس فيه. وكان من نتيجة ذلك أن عاد الآريوسي عن ضلاله. ‏قرابة ذلك الوقت رقدت ابنته سلام (إيريني). وكان أحد العامة قد استودعها غرضاً جزيل القيمة، ربما كان ذهباً، فخبّأته في مكان آمن لا يدري به أحد غيرها. فلما كاشف الرجل قديس الله بالأمر فتّش له عنه فلم يجده. وإذ كان العامي حزيناً وبدا في حال التأثر العميق، تحرّك قلب القديس شفقة عليه فذهب، وفق شهادة المؤرّخين الكنسيّين سقراط وسوزومينوس، إلى قبر ابنته ودعاها بالاسم وسألها عن المكان الذي خبّأت فيه الأمانة. فأجابته ودلّته على المكان بدقّة. فذهبوا وفتّشوا فوجدوه حيث قالت لهم. ‏هذا وتنسب للقديس اسبيريدون عجائب كثيرة قيل إنه اجترحها واستأهل بسببها لقب "العجائبي". ‏من ذلك أن امرأة فقيرة، غريبة اللسان، جاءته بابنها ميتاً وألقته عند قدميه، فصلّى عليه، فأقامه الرب الإله بصلاته من الموت. ‏ومن ذلك أنه أبرأ قسطنديوس قيصر، ابن قسطنطين الكبير، إثر مرض عضال ألمّ به وهو في أنطاكية. وبعدما تمّ شفاؤه نصحه القدّيس بأن يحذر على صحة نفسه بالأولى، لأنه كان آريوسي النزعة، وأن يرأف بعباد الله. ومن ذلك أنه استنزل المطر بعد قحط، مرة، وأوقفه بعد وفرة مرة أخرى. ومن ذلك أنه حوّل حيّة إلى ذهب محبة بفقير، ثم بعد قضاء الحاجة أعاد الذهب حيّة.
‏ومن ذلك أنه كان علاماً بالقلوب يحرّك النفوس برأفته إلى التوبة. مثل ذلك أن امرأة زانية دنت منه تروم لمسه فلم يأنف منها ولا صدّها، بل رمقها بنظرة حنان حزيناً عليها فنفذت نظرته إلى أعماقها، فألقت بنفسها، بصورة عفوية، عند قدميه وغسلتهما بدموعها معترفة بخطاياها، فأقامها وهو يقول لها، على مثال المعلم: "مغفورة لك خطاياك! اذهبي بسلام ولا تخطئي بعد!". ‏ومن ذلك أنه خرج مرة إلى كنيسة منعزلة أهملها المؤمنون، وشاء أن يقيم فيها الذبيحة الإلهية. لم يشعل الخدّام في المناسبة إلا مصابيح قليلة لأنهم قالوا لم يحضر من الناس غير أفراد قلائل. ولكن ما إن انطلقت الخدمة حتى بدا أن الحاضرين أكثر بكثير مما كان منظوراً، وجلّهم كان لا من البشر بل من الملائكة. فما أن استدار الأسقف باتجاه الشعب وأعطى السلام: "السلام لجميعكم!" حتى صدحت في الكنيسة أصوات الملائكة مجيبة: "ولروحك أيضاً!". على هذا النحو استمر القداس الإلهي: القديس يؤمّ الخدمة والملائكة تجيب. أمّا قناديل الزيت فامتلأت زيتاً وأضاءت بالأكثر. ‏ومن ذلك أن شمّاساً أخرس اشتهى أن يصلّي صلاة وجيزة عند الظهر في أوان الحر فرأف به القديس وتضرّع إلى الرب الإله من أجله، فانحلت عقدة لسانه وفتح فاه وصلّى. لكنْ أخذه العُجب فأطنب في الصلاة لأجل السبح الباطل فأعاده القديس أخرس أصماً لا ينطق بشيءٍ البتة.
‏ومن ذلك أنه خفّف مرة فيض نهر كان يتهدّد السكان. ‏ومن ذلك أن تاجراً رغب في شراء مائة من العنز من قطيع الراعي القدّيس. فلما حضر لاستلامها دفع ثمن تسع وتسعين منها لأنه قال ليس من عادة القديس أن يعدّ المال. وإذ أخذ مائة بهيمة وهم بمغادرة المكان أبت إحداها إلا أن تعود إلى الصيرة. فأمسكها وأخذها بالقوة، فأفلتت منه وعادت إلى الصيرة.ففعل ذلك ثانية وثالثة فلم ينجح. فالتفت إليه رجل الله وخاطبه بوداعة: لعلك لم تدفع ثمنها يا بني! فاعترف التاجر واستسمح ودفع ثمن الباقية. إذ ذاك فقط خرجت البهيمة بهدوء وانضمت إلى القطيع المباع. رقد القديس في الرب في اليوم الثاني عشر من شهر كانون الأول من السنة الميلادية 348. كان قد بلغ من العمر ثمانية وسبعين عاماً. آخر ما يذكر التاريخ عنه أنه اشترك، سنة347م، في مجمع سرديكا دفاعاً عن القدّيس أثناسيوس الكبير. ‏هذا وتستقر رفات القديس اليوم في جزيرة كورفو اليونانية. جسده لم ينحل إلى اليوم. بقي في قبرص حتى القرن السابع الميلادي، ثم إثر الفتح العربي جرى نقله إلى مدينة القسطنطينية حيث أودع كنيسة قريبة من الكنيسة الكبرى. وفي العام 1456‏م تمّ نقله خفية إلى جزيرة كورفو بعدما سقطت القسطنطينية في أيدي الأتراك. لقد كان جسد القديس وما زال إلى اليوم ينبوعاً لأشفية كثيرة وهو شفيع كورفو حيث سجّل أنه أنقذ الجزيرة من وباء الكوليرا مرة، ومن الغزو الأجنبي مرة أخرى. وهناك اعتقاد سار بين العامة اليوم أن القديس ما زال يجول، بصورة عجيبة، في الأرض يشفي المرضى ويغيث المبتلين. وهم يستدلّون على ذلك من الجوارب التي جرى أهل الدير الذي يستكين فيه جسده على إلباسه إياها. هذه تغيّر له مرة في السنة، وكلما آن أوان استبدالها لاحظ المقامون على خدمته أنها تكون قد بليت أو تكاد من الجهة التي يطأ المرء بها في العادة. أما الجوارب المستعملة
‏فتُوزّع بركة على المؤمنين. ليتورجياً، تغبط الكنيسة القديس اسبيريدون باعتباره قانوناً لرؤساء الكهنة وتورد اسمه بين القدّيسين النماذج في إفشين "خلّص يا رب شعبك...". كما تصفه بـ "مجرى المحبة الذي لا يفرغ" وتعتبره "العقل الإلهي الوديع الكامل المزيّن بالبساطة الحقيقية" وتشبّهه بموسى لبساطته وداود لوداعته وأيوب لسيرته التي لا عيب فيها. وترتل له الطر وبارية التالية:
‏"لقد ظهرت عن المجمع الأوّل مناضلاً. وللعجائب صانعاً. يا أبانا ‏سبيريدونوس المتوشح بالله. فلذلك خاطبت الميتة في اللحد. وحوّلت حيّة إلى ذهب. وعند ترتيلك الصلوات المقدّسة. كانت لك الملائكة شركاء في الخدمة. أيها الكلي الطهر. فالمجد للذي مجّدك. المجد للذي كلّلك. المجد للصانع ‏بك الأشفية للجميع". ‏هذا وقد درج، في بعض الأحيان، أن تصوّر الكنيسة القديس اسبيريدون، ‏في إيقوناتها، وعلى رأسه ما يشبه السلّ، إشارة إلى كونه راعي غنم، وفي يده اليسرى حجر فخّاري يظهر عمودياً وقد خرجت من طرفه الأعلى نار ومن طرفه الأسفل مياه. وبالعودة إلى سيرة القديس الموسّعة يتبيّن أن لهذا الحجر قصّة مفادها أنه خلال المجمع المسكوني الأوّل (نيقية325‏م) الذي قيل أن اسبيريدون اشترك فيه، أفحم القديس أحد الآريوسيين البارزين لما أثبت له، بالبرهان الحسي، كيف يمكن لله أن يكون واحداً في ثلاثة أقانيم، آباً وابناً وروحاً قدساً. فلقد ذُكر أن القديس أخذ قطعة فخار بيساره وعمل إشارة الصليب بيمينه قائلاً: "باسم الآب" ، فخرجت للحال من الفخار، من فوق، نار.
" والابن"، فخرجت من الفخار، من تحت، مياه.
" والروح القدس"، فاتحاً يده، فبان الفخار بعد فخاراً من تراب.
‏إثر ذلك، على ما قيل، أكبر الآباء القدّيسون رجل الله اسبيريدون على ‏ما فعل، ولم يسع الآريوسي إلا التسليم بالأمر الواقع والإقرار بصحّة إيمان ‏رجل الله بالثالوث القدّوس.


habits clerge

 

 

الملابس الكهنوتية ودلالاتها - ملابس الكاهن
+++++++++++++++++++++++

1- الاستيخارة:
هي قميص طويل ينسدل حتى القدمين وتدل على الطهارة التي يجب أن يتحلى بها الكاهن وأن يحفظها في حياته. وترمز إلى الثوب اللامع الذي ألبسه هيرودس الملك للمسيح وأرسله إلى بيلاطس سخرية (لوقا23: 11) أو إلى القميص المنسوج الذي نزعه الجنود عن المسيح عند صلبه (يوحنا23:14) إنه حلة البهجة وثوب الخلاص. عند ارتدائها يقول الكاهن: "تبتهج نفسي بالرب فإنه ألبسني ثوب الخلاص وسربلني حلّة السرور وجمّلني بتاج كعريس ومثل عروسٍ زينني تزينا" (اس10:61). 

 

2- الزنار (الأوراريون):

قطعة نسيج طويلة تشبه الزنار وعليها صلبان صغيرة أو كتابة "قدوس قدوس قدوس" يلبسه الشماس على كتفه اليسار ويمثل لنا أجنحة الملائكة. لأن خدمة الشماس كخدمة الملائكة. أما الكاهن والأسقف فيتمنطقان بالزنار وعندئذ يشير إلى العفاف اللازم لمن تمنطق به ويرمز أيضاً إلى السياط التي جلد بها المخلص. يشد الكاهن والأسقف حقويه بالزنار متهيأ للقيام بالخدمة المقدسة الإلهية بكل ضبط لشهواته ولذلك هو يرمز إلى القوة التي تمنطق بها السيد في ملكوته بحسب الرؤيا. يقول الكاهن والأسقف حين التمنطق بالزنار: "تبارك الله الذي يمنطقني بالقوة ويجعل طريقي بلا عيب مقوماً رجليّ كالأيائل ورافعاً إيايّ على المعالي" (حب19:3).

3- الأكمام:
قطعتا قماش عريضتان عليهما صليبان صغيران. يغطي الكمان زندي الشماس أو طرفي استيخارة الكاهن أو الأسقف. وتدل على الأسلحة الروحية الضرورية لمرتديها في جهاده الروحي ضد الشيطان وما يثير عليه من المعاكسة وكذلك إلى الوثاقات التي ربطت يدي المخلص حين آلامه. الأكمام تغطي طرفي استيخارة الكاهن أو الأسقف فيسهلان حركاته وحين ارتدائها يقال على الكم اليمين: "يمينك يا رب تمجدت بالقوة، يدك اليمنى سحقت الأعداء وبكثرة مجدك حطمت مقاوميك" وعلى اليد اليسرى: "يداك صنعتاني وجبلتاني فهمني فأتعلم وصاياك" (مز73:118).


4-البطرشيل:
قطعة نسيج طويلة وعريضة يلبسها الكاهن أو الأسقف على العنق وتتدلى على الصدر وينتهي إلى الأسفل بشراريب والبطرشيل يدل على النعمة الإلهية المستقرة على لابسه ويشير إلى تحمل الأسقف أو الكاهن مسؤولية الرعية . وبدونه لا يستطيع الكاهن القيام بأية خدمة كنسية. وحين ارتداءه يقال: "تبارك الله الذي يسكب نعمته على كهنته كالأطياب على الرأس النازلة على اللحية لحية هارون النازل على جيب قميصه". (مز2:132).


5- الحجر:
قطعة نسيج مربعة الزوايا في وسطها صليب أو صورة أحد القديسين يضعها الأساقفة والكهنة على الجانب الأيمن ويشير إلى فضائل الشجاعة والصدق والدعة والحق الذي ينبغي أن يتصف بها الكاهن عند تقديم الذبيحة الإلهية. يرمز الحجر إلى غلبة السيد المسيح على الموت وعزته وقدرته بما أنه لا شركة له مع الخطيئة. كذلك يرمز إلى السيف الروحي الذي ينبغي للكاهن والأسقف أن يتقلداه وهذا السيف هو التعليم والكرازة واستقامة الرأي. إنه سيف الحق المسلول دوماً على الشرير. يلبسه الأسقف وبعض الكهنة الذين يكلفهم المطران بمسؤولية تتميم سر الاعتراف كآباء روحيين. يقول الكاهن عند لبسه الحجر: "تقلّد سيفك على فخذك أيها القوي بحسنك وجمالك، واستله وانجح واملك في سبيل الحق والدعة والخير فتهديك يمينك هدياً عجيباً"(مز3:44).


6-الأفلونية:
رداء (مشلح) عريض مستدير ذو فتحة في أعلاه مستدير ذو فتحة في أعلاه يلبس منها فيدخل رأس الكاهن فيها وتغطي الأفلونية جسم الكاهن. ترمز إلى ثوب الارجوان الذي سخر به جند الرومان من سيدنا يسوع المسيح عند آلامه وترمز إلى نعمة الرب المستقرة بالروح القدس على الرسل وخلفائهم. يلبسها الكاهن مع البطرشيل في تتميم جميع الأسرار المقدسة وعند تتميم الايصودن (الدخول) في صلوات الغروب وكذلك في صلاة الغروب الاحتفالية (عند تقديس الخبزات الخمس). إنها وشاح المجد والطهارة والقداسة التي يسكبها الرب على خدامه. يقول الكاهن عند لبسها: "كهنتك يا رب يلبسون البر وأبرارك يبتهجون ابتهاجاً". (مز9:131).


+++
عن شبكة القديس سيرافيم ساروف


6

 

✥ القديس نيقولاوس العجائبي أسقف ميراليكية ‎(القرن‎4‎م)‏: هو أكثر القدّيسين شهرة في كنيسة المسيح، شرقاً وغرباً. فصورته، كما ارتسمت في وجدان الناس عبر العصور، هي صورة الراعي الصالح، على مثال معلّمه. لا يترك إنساناً يستنجد به إلاّ هبّ إلى نجدته كائنة ما كانت حاله أو ضيقته أو حاجته. أكثر القدّيسين، كما نعرف، ارتبط ذكرهم، بين الناس، بحاجة محدّدة. هذه ليستحال القديس نيقولاوس. القديس نيقولاوس، على مرّ العصور، بدا وكأنه قدّيس لكل ظرف وحاجة. بهذا المعنى كان، في هذا البلد أو ذاك، شفيعاً للتلامذة والأولاد العاقلين والفتيات اللواتي لا مهر لهن والبحّارة والصيّادين والعتّالين وباعة النبيذ وصنّاع البراميل وعمّال البيرة والتجّار والبقّالين والقصّابين والمسافرين والحجّاج والمظلومين والمحكومين والمحامين والأسرى والصرّافين وغيرهم. لذلك لا عجب إذا كانت الكنيسة، عندنا، قد خصّته بيوم الخميس إكراماً واستشفاعاً، كما أدخلت الكنيسة اسمه في عداد النخبة من القدّيسين الذين يستعين بهم المؤمنين، على الدوام، عبر الإفشين الذي يُتلى في صلاة السحر وغيرها من الصلوات والذي أوله: "خلّص يا رب شعبك وبارك ميراثك...". كل هذا ولا نعرف من أخبار القدّيس نيقولاوس قبل القرن التاسع للميلاد إلا القليل القليل، مع أنه من المفترض أن يكون قد عاش وصار أسقفاً ورقد بين القرنين الثالث والرابع الميلاديين. فأول من كتب سيرته بتوسّع كان القدّيس سمعان المترجم حوالي العام 912م. وكان مثوديوس، بطريرك القسطنطينية، قد دوّن عنه، قبل ذلك، سيرة مختصرة حوالي العام 840م. رغم ذلك، رغم افتقادنا إلى شهادات تاريخية مبكّرة في شأنه لا نشعر بالحرج ولا نعتبر النقص في المعلومات التاريخية المبكرة بشأنه حائلاً دون إكرامه. السبب بسيط أننا لم نعتد، في الكنيسة، إكرام القدّيسين استناداً إلى ثوابت تاريخية تؤكد أخبارهم- وهذه مفيدة إذا توفرت ولكن غالباً ما يتعذّر توفرها- بل لأن السابقين أكرموهم قبلنا. ولنا في الكنيسة، في شأن القدّيس نيقولاوس، شهادات تؤكد إكرامها له منذ القرن السادس للميلاد.
شهادات عنه: بين ما نعرفه أن الإمبراطور البيزنطي يوستنيانوس بنى على اسمه، في القسطنطينية، سنة 530م كنيسة هي الكنيسة المعروفة باسم القدّيسين بريسكوس ونيقولاوس في حي بلاشيرن الشهير بكنيسة السيدة فيه. وعلى مقربة من المكان كان أحد الأسوار يحمل اسمه. وعندنا للقدّيس نيقولاوس إيقونات أو رسوم حائطية منذ ذلك القرن أيضاً، نشاهد بعضها في دير القديسة كاترينا في سيناء.
ذكره كان معروفاً تماماً: من أقدم أخباره، من القرن الميلادي السادس، ظهوره لقسطنطين الملك في الحلم. يومذاك طلب منه قديسنا أن يوقف تنفيذ حكم الإعدام بثلاثة ضبّاط أدينوا ظلماً.
ما شاع عنه: شاع عن القدّيس نيقولاوس أنه ولد في باتارا من أعمال ليسيّة الواقعة في القسم الجنوبي الغربي من آسيا الصغرى، وأن ولادته كانت في النصف الثاني من القرن الثالث للميلاد. ارتبط اسمه باسم ميرا القريبة من باتارا، على بعد ثلاثة أميال منها. وقد ذُكر أنه تسقّف عليها. ميرا، في آسيا الصغرى أو كما تعرف اليوم بر الأناضول، هي "دمري" الحالية. هناك يبدو أن ذكر القدّيس لم تمحُه السنون بدليل أن المسلمين جعلوا له عند الكنيسة التي قيل أن القدّيس كان يقيم الذبيحة الإلهية فيها، أقول جعلوا له تمثالاً لما أسموه NOEL BABA"". يذكر أنه كانت لميرا، في وقت من الأوقات، ست وثلاثون أسقفية تابعة لها. إلى ذلك قيل أن القديس نيقولاوس عانى الاضطهاد في أيام الإمبراطورين الرومانيين ذيوكليسيانوس ومكسيميانوس وأنه اشترك في المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325م. هذا ويبدو أن قدسنا رقد في ميرا حوالي منتصف القرن الرابع الميلادي واستراحت رفاته في الكنيسة الأسقفية هناك إلى أن دهم الموضع قراصنة من باري الإيطالية عام 1087م فسرقوه وسط احتجاج رهبان كان يقومون بخدمة المحجّة، وعادوا به إلى بلادهم حيث ما يزال إلى اليوم. وقد ذكرت مصادر عريقة أنه في كلا الموضعين، ميرا وباري، كان سائل طيب الرائحة يفيض من رفاته. نشير إلى أن بعض المصادر يخلط ما بين القديس نيقولاوس أسقف ميرا ونيقولاوس آخر يبدو أنه تسقّف في القرن السادس أو ربما السابع على بينارا من مقاطعة ليسيّة عينها. هذا الأخير كان رئيساً لدير صهيون المقدّسة ثم صار أسقفاً على بينارا ودفن في ديره على مقربة من ميرا.
أخباره: من الواضح، في ما يُروى عن القدّيس نيقولاوس، أن أخباره عجائبية في أكثر تفاصيلها. حتى الأخبار التي يمكن أن تكون عادية عنه سكبتها الأجيال المتعاقبة بقالب عجائبي تأكيداً لطابع سيرته العجائبي. فلقد جاء عنه أنه كان يصوم عن الرضاعة في طفوليته يومي الأربعاء والجمعة إلا مرة واحدة بعد غروب الشمس. وأن عماً له، اسمه نيقولاوس أيضاً، كان أسقفاً على باتارا، لما سامه كاهناً تنبأ بالروح أن القدّيس سيصبح أسقفاً يوماً ما وسيكون تعزية وخلاصاً لكثيرين. ولما اختير أسقفاً على ميرا كان ذلك بتوجيه من ملاك. وقد كتب عنه مثوديوس القسطنطيني أنه عاين في رؤية مرة، الرب، يسوع المسيح مجللاً بالمجد، واقفاً به وهو يسلمه الإنجيل الشريف ووالدة الإله، من الجهة المقابلة، تضع الصاكوس على كتفيه. بعد ذلك بفترة قصيرة رقد يوحنا، أسقف ميرا، واختير نيقولاوس خلفاً له. إلى ذلك هناك عدد من الأحداث المروية عن القديس نيقولاوس تبيّنه رؤوفاً محباً للإحسان والعدالة. بعض هذه الأحداث جرى له في حياته وبعضها بعد موته. مرتان أنقذ سفينة أشرفت على الغرق وكان مسافراً فيها. مرة استجار به البحّارة وهم في عرض البحر وهو في كنيسته فأتى إليهم وأجارهم. مرة أوحى في الصلاة إلى سفينة محملة بالقمح كانت في عرض البحر فاتجهت صوب مقاطعة ليسيّة التي كانت قد حلّت بها مجاعة عظيمة. مرتان أنقذ غريقاً من الهلاك. مرة أقام ثلاثة أولاد من الموت. ومرة أنقذ ثلاثة مظلومين قبل لحظات من تنفيذ حكم الإعدام بهم. على أن هناك ثلاثة أخبار عنه هي أكثر أخباره شيوعاً بين العامة. دونك إيّاها مفصّلة.
إنقاذه ضباطاَ مظلومين: اندلعت في أيام قسطنطين الملك ثورة في فرنجيا الكبرى قامت بها جماعة تعرف ب "الترافيليون" ولما تناهى الخبر إلى السلطة المركزية في القسطنطينية، بادر الملك إلى إرسال ثلاثة من القادة العسكريين لديه على رأس جيش كبير لمعالجة الوضع. فتوجه العسكر إلى فريجيا. وبعدما تمكّنوا من وضع حد للاضطرابات الحاصلة، عادوا إلى المدينة المتملكة مظفّرين، فأحسن قسطنطين وفادتهم وأكرمهم. ولكن تحرّك الحسد في نفوس بعض الحاقدين فشيّعوا لدى أفلافيون الوزير أن القادة الثلاثة لم يخمدوا ثورة "الترافيليون" بل عقدوا وإياهم اتفاقاً سرياً للإطاحة بالملك. ودعم الحاسدون دعواهم بشهود زور وتقديم هدايا ثمينة للوزير. كان الاقتراح أن يسعى الوزير إلى عرض الأمر على الملك لإثارة مخاوفه ومن ثم انتزاع موافقته على إعدام الثلاثة في أسرع وقت ممكن. فقبض الوزير على القادة المعنيين وزجّهم في السجن ثم بادر إلى الملك وهوّله بأخبار المكيدة التي يحيكها الثلاثة ضدّه، ثم سأله أن يصدر أمراً بإعدامهم للحال وأداً للفتنة. فارتاع الملك ووافق على إنزال عقوبة الإعدام بالثلاثة في البوم التالي. في تلك الليلة قبع الثلاثة في سجنهم ينوحون ويبكون، وهم يضربون أخماساً بأسداس. لم تكن أمامهم حيلة يردّون بها عن أنفسهم هذا الخطر المداهم. وحدها الصلاة بقيت نصيباً لهم فصلوا وسألوا القديس نيقولاوس أن يعينهم: "يا إله أبينا نيقولاوس نجّنا....". فظهر القديس في الحلم لكلا الرجلين، الملك ووزيره. قبل شروق الشمس، وطلب إليهما بتهديد أن يبادرا للحال إلى إطلاق سراح القادة الثلاثة لأنهم مظلومون. ولما كان الصباح أرسل الملك في طلب الوزير. وبعد الأخذ والرد أدرك الاثنان أنهما عاينا حلماً واحداً في شأن المحكومين فتوجسا خيفة. على الأثر أمر الملك بإحضار الثلاثة إليه. فلما حضروا دافعوا عن أنفسهم فتبيّن أنهم أبرياء فأطلق سراحهم.
البنات والمهر: وكان هناك شخص غني عنده ثلاثة بنات جميلات. فقسى عليه الدهر فافتقر. ولما عضّه العوز وأبت عليه كرامته أن يمدّ يده ويطلب لنفسه وبناته حسنة، عرض عليه إبليس أن يدفع بناته إلى تعاطي تجارة الزنى، فقاوم التجربة إلى أن قويت عليه. ولكن قبل أن يبادر إلى تنفيذ ما علق في نفسه عرف القديس نيقولاوس بأمره فأتاه تحت جنح الظلام وألقى إليه من الطاقة بكيس من النقود وذهب. وفي الصباح اكتشف الرجل النقود ففرح بها فرحاً عظيماً، وتساءل من فعل ذلك. وإذ شغلته الفرحة والنقود اكتفى بشكر الله, وقام فجهّز ابنته الكبرى وزوّجها. وعندما رأى القديس أن الرجل استعمل النقود للخير عاد وأتاه من جديد ورمى إليه بنفس الطريقة، في الليل، مبلغاً من المال وذهب. واستفاق الرجل على كيس آخر من النقود فتعجّب وتساءل، ثم اكتفى بشكر الله وجهّز ابنته الثانية كما فعل بالأولى وزفّها إلى أحد الشبّان الطيّبين. أخيراً جاء إليه القديس ثالثة وأعاد الكرّة من جديد، لكن الرجل تنبّه، هذه المرة، للأمر فأسرع وفتح الباب وركض في إثر صانع الخير إلى أن أدركه. فلما رأى القديس نيقولاوس أن سرّه استبان ركع عند قدمي الرجل ورجاه ألا يعلم به أحداً. وبعد أخذ ورد، عاد القديس من حيث أتى، وعاد الغني المفتقر إلى بيته يسبّح ويمجّد. ثم ذهب فأدّى لابنته الصغرى ما أداه لأختيها من قبلها.
عودة الغريق إلى بيته: يحكى عن رجل اسمه يوحنا عاش في القرن التاسع الميلادي في القسطنطينية، تقي ورع يحب الله ويكرم قدّيسه نيقولاوس، أنه سافر مرة في البحر لعمل. وبعد ساعات معدودة من مغادرته اهتاج البحر وضربت عاصفة السفينة التي كان مسافراً فيها. فأسرع البحّارة إلى ربط الأشرعة، وكان الوقت ليلاً. في تلك الساعة خرج الرجل إلى ظهر السفينة لقضاء حاجة. وما أن خطا خطوات قليلة إلى الأمام حتى اضطربت السفينة يميناً ويساراً فاختل توازن الرجل وسقط في البحر على مرأى من البحّارة وصراخهم. وغار الرجل في المياه وبكى البحّارة لفقده. ولكن لن تكن هذه نهاية القصة. فما أن بدأ الرجل بالغرق حتى صرخ في قلبه على غير وعي منه: "يا قدّيس الله نيقولاوس أعنّي!" وما أن فعل حتى وجد نفسه في غير مكان. وجد نفسه في بيته والماء يسيل من ثيابه. ولما استمر في الصلاة صارخاً، نهض أهل بيته من نومهم مذعورين فوجدوه على هذه الحالة فاندهشوا وتحيّروا وخانتهم لغة الكلام إلى أن استردوا وعيهم وسألوه لماذا هو بهذه الحالة وكيف عاد إلى بيته. وسادت في المكان جلبة ليست بقليلة ما أن هدأت حتى فهم الجميع من الرجل أنه سقط غريقاً في البحر وأن القديس نيقولاوس هو الذي أدركه وأعاده إلى بيته سالماً معافى. فتُحُدث بهذا العجب في كل القسطنطينية وشكر الجميع الله وازدادوا إكراماً لقدّيسه نيقولاوس وتعلّقاً به واعتماداً عليه. أما يوحنا فقيل إنه والد بطريرك القسطنطينية مثوديوس الأول الذي اعتلى سدّة البطريركية بين العامين 843 و847م.


✥ القديس الرسول المجيد الكلي المديح اندراوس المدعوّ أولاً: في التراث، هو الرسول الذي دعاه الرب يسوع أولاً، واسمه معناه الشجاع أو الصنديد أو الرجل الرجل.

كان تلميذاً ليوحنا المعمدان أول أمره (يوحنا 35:1). فلما كان يوم نظر فيه معلّمُه الرب يسوع ماشياً بادر اثنين من تلاميذه كانا واقفين معه بالقول: "هوذا حمل الله!" (يوحنا 36:1)، فتبع التلميذان يسوع. "فالتفت يسوع ونظرهما يتبعان فقال لهما ماذا تطلبان؟ فقالا ربي الذي تفسيره يا معلم أين تمكث؟ فقال لهما تعاليا وانظرا. فأتيا ونظرا أين يمكث ومكثا عنده ذلك اليوم. وكان نحو الساعة العاشرة" (يوحنا1: 38 - 39). اندراوس كان واحداً من الاثنين. ومن تلك الساعة صار للرب يسوع تلميذاً. إثر ذلك، أقبل اندراوس على أخيه بطرس وأعلن له: "وقد وجدنا مسيّاً الذي تفسيره المسيح" (يوحنا 41:1)، ثم أتى به إلى يسوع. موطن اندراوس وبطرس كان الجليل الأعلى، وعلى وجه التحديد بيت صيدا فيها، ومنها فيليبس الرسول أيضاً (يوحنا 44:1). كانت مهنة اندراوس، كأخيه بطرس، صيد السمك (مرقص 16:1)، وكان له بيت في كفرناحوم (مرقص 29:1). ورد اسمه ثانياً في لائحة الرسل، في كل من إنجيلي متى (‪2:10‬) ولوقا (14:6) بعد بطرس، فيما ورد رابعاً في كل من إنجيل مرقص (16:3) وأعمال الرسل (13:1) بعد بطرس ويعقوب ويوحنا. أكثر ما ورد ذكر اندراوس الرسول في إنجيل يوحنا ؛ فإلى ما سبق ذكره نلقاه في الإصحاح السادس (8) يبلغ الرب يسوع، قبل تكثير الخبز والسمك، بأن "هنا غلاماً معه خمسة أرغفة شعير وسمكتان. ولكن ما هذا لمثل هؤلاء". ونلقى اندراوس مرة أخرى في الإصحاح الثاني عشر حين تقدّم يونانيون إلى فيليبس وسألوه قائلين نريد أن نرى يسوع. "فأتى فيليبس وقال لأندراوس ثم قال اندراوس وفيليبس ليسوع. وأما يسوع فأجابهما قائلاً قد أتت الساعة ليتمجّد ابن الإنسان" (20-23). هذا جلّ ما نستمدّه عن اندراوس الرسول من الأناجيل وأعمال الرسل. أما في التراث، فقد أورد أفسافيوس في تاريخه انه كرز بالأناجيل في سكيثيا، أي إلى الشمال والشمالي الشرقي من البحر الأسود، وفي آسيا الوسطى، بين كازخستان وأوزبكستان. كما ذكر كل من ايرونيموس وثيودوريتوس أنه بشّر في إقليم أخائية في جنوبي اليونان، فيما أشار نيقيفوروس إلى آسيا الصغرى وتراقيا، في البلقان، شمالي البحر الإيجي. وفي بيزنطية، التي كانت آنئذ مدينة متواضعة، يقولون إن القديس اندراوس أقام عليها استاخيس، أول أسقف. ويقولون أيضاً إنه رفع الصليب في كييف وتنبأ بمستقبل المسيحية بين الشعب الروسي. والقديس اندراوس شفيع اسكتلندا حيث يبدو أن سفينة غرقت بالقرب من المكان المعروف باسمه هناك وكانت تحمل بعض بقايا القديس. أما رقاد الرسول فكان استشهاداً على صليب ما فتئ معروفاً منذ القديم باسم صليب القديس اندراوس، وهو على شكل X. جرى ذلك في باتريا في أخائية اليونانية حيث نجح الرسول في هداية الوثنيين إلى المسيح إلى درجة أثارت القلق لدى أجايتوس الحاكم، لا سيما بعدما اكتشف أن زوجته ماكسيمللا قد وقعت في المسيحية هي أيضاً. وكان صلب اندراوس مقلوباً. لكن عدالة الله شاءت أن يقضي الحاكم بعد ذلك بقليل عقاباً.
أما رفات القديس فتوزعت في أكثر من مكان، إلا أن جمجمته عادت أخيراً إلى باتريا في 26 أيلول 1974، فيما بقيت له يد في موسكو والبقية هنا وهناك.


 

✥ القديس ديمتريوس المفيض الطّيب (+303م):


إن ما نعرفه عن القديس ديمتريوس قليل، ومع ذلك فإن له في وجدان الكنيسة ذكراً حسناً وإكرامه طبّق الآفاق. ولد ونشأ في مدينة تسالونيكي، وقد قيل من أبوين تقيين عدما ثمرة البطن طويلاً إلى أن افتقدهما الله بعدما استغرقا في الصلوات والنذور ومحبة الفقير والصبر. ويشاء التدبير الإلهي أن يعبر الإمبراطور مكسيميانوس بمدينة تسالونيكي عائداً من حرب خاضها ضد البرابرة السكيثييين، شمالي غربي البحر الأسود. ولما كان والد القديس ديمتريوس قائداً عسكرياً أنشاه على ضبط النفس والجهاد والأمانة، كما على التقى ومحبة الفقير. ولما بلغ الأشدّ تلقى من العلم قدراً وافراً ثم انخرط في الجندية كأبيه وأضحى قائداً عسكرياً مرموقاً. وقد أقامه الإمبراطور مكسيميانوس على مقاطعة تساليا، وقيل قنصلاً على بلاد اليونان. هذا فيما تذكر مصادر أخرى أنه كان شماساً غيوراً وحسب. ولكن ‏غلبت عليه صورة الجندي. كانت العادة أن تُقام الاحتفالات ويرفع البخور للملك والآلهة وتُقدّم الذبائح في المناسبة، فقد أعطى الملك توجيهاته بإعداد العدّة في هذا الشأن في المدينة. واغتنم بعض حسّاد ديمتريوس الفرصة فقاموا وأسرّوا للإمبراطور حقيقة مَن كان قد أولاه ثقته انه لا يتساهل بشأن المسيحيين وحسب، كما أوصى جلالته، بل اقتبل هو نفسه المسيحية وأضحى مذيعاً لها. فاغتاظ الإمبراطور وأرسل في طلب عامله. فلما حضر استفسره الأمر فاعترف ديمتريوس بمسيحيته ولم ينكر، فجرّده الإمبراطور من ألقابه وشاراته وأمر بسجنه ريثما يقرّر ما سيفعله به، فأخذه الجند وألقوه في موضع رطب تحت الأرض كانت تفوح منه الروائح الكريهة. أيقن ديمتريوس أن الساعة قد أتت ليتمجّد الله ‏فيه فأخذ يعد نفسه بالصلاة والدعاء. كما أوعز إلى خادمه الأمين لوبوس الذي كان يزوره في سجنه بتوزيع مقتنياته على الفقراء والمساكين. وما هي سوى أيام معدودات حتى أرسل الإمبراطور جنده إليه من جديد فطعنوه بالحراب حتى مات. ويقال أن السبب المباشر لتنفيذ حكم الإعدام السريع هذا كان تغلّب الشاب المسيحي نسطر على لهاوش، رجل الإمبراطور، في حلبة المصارعة. فقد سرى أنه كان لديمتريوس ضلعاً في ذلك، فيما ظن الإمبراطور أن ما حصل كان بتأثير سحر هذا المدعو مسيحياً. ويقال إن خادم ديمتريوس، لوبّس، أخذ رداء معلمه وخاتمه من السجن بعدما غمسّه بدمه وإن الله أجرى بواسطتهما عجائب جمّة. وبقي كذلك إلى أن قبض عليه الجند هو أيضا وقطعوا هامته. أما رفات القدّيس فأخذها رجال أتقياء سراً ودفنوها. وقد أعطى الله علامة لقداسة شهيده أن طيباً أخذ يفيض من بقاياه ويشفي الكثيرين من أمراضهم، مما جعل الكنيسة تسميه بالمفيض الطيب. يذكر أن رائحة الطيب ما زالت تعبق بين الحين والحين من ضريحه إلى اليوم. وضريحه مودع في كنيسة (بازيليكا) القدّيس ديمتريوس في قلب مدينة تسالونيكي حيث يعتبر شفيع المدينة ومنقذها من الشدائد والضيقات. وهي لا زالت إلى اليوم تُقيم له احتفالات خاصة تشمل المدينة بأسرها كل عام وعلى مدى أسبوع كامل. يُذكر أن الإمبراطور يوستنيانوس (483-565 م) رغب، في زمانه، في نقل رفات القدّيس ديمتريوس إلى القسطنطينية فحضره صوت أبى عليه ذلك.

✥ القدّيس العظيم في الشّهداء ديمتريوس المفيض الطّيب (+303م): إن ما نعرفه عن القديس ديمتريوس قليل، ومع ذلك فإن له في وجدان الكنيسة ذكراً حسناً وإكرامه طبّق الآفاق. ولد ونشأ في مدينة تسالونيكي، وقد قيل من أبوين تقيين عدما ثمرة البطن طويلاً إلى أن افتقدهما الله بعدما استغرقا في الصلوات والنذور ومحبة الفقير والصبر. ويشاء التدبير الإلهي أن يعبر الإمبراطور مكسيميانوس بمدينة تسالونيكي عائداً من حرب خاضها ضد البرابرة السكيثييين، شمالي غربي البحر الأسود. ولما كان والد القديس ديمتريوس قائداً عسكرياً أنشاه على ضبط النفس والجهاد والأمانة، كما على التقى ومحبة الفقير. ولما بلغ الأشدّ تلقى من العلم قدراً وافراً ثم انخرط في الجندية كأبيه وأضحى قائداً عسكرياً مرموقاً. وقد أقامه الإمبراطور مكسيميانوس على مقاطعة تساليا، وقيل قنصلاً على بلاد اليونان. هذا فيما تذكر مصادر أخرى أنه كان شماساً غيوراً وحسب. ولكن ‏غلبت عليه صورة الجندي. كانت العادة أن تُقام الاحتفالات ويرفع البخور للملك والآلهة وتُقدّم الذبائح في المناسبة، فقد أعطى الملك توجيهاته بإعداد العدّة في هذا الشأن في المدينة. واغتنم بعض حسّاد ديمتريوس الفرصة فقاموا وأسرّوا للإمبراطور حقيقة مَن كان قد أولاه ثقته انه لا يتساهل بشأن المسيحيين وحسب، كما أوصى جلالته، بل اقتبل هو نفسه المسيحية وأضحى مذيعاً لها. فاغتاظ الإمبراطور وأرسل في طلب عامله. فلما حضر استفسره الأمر فاعترف ديمتريوس بمسيحيته ولم ينكر، فجرّده الإمبراطور من ألقابه وشاراته وأمر بسجنه ريثما يقرّر ما سيفعله به، فأخذه الجند وألقوه في موضع رطب تحت الأرض كانت تفوح منه الروائح الكريهة. أيقن ديمتريوس أن الساعة قد أتت ليتمجّد الله ‏فيه فأخذ يعد نفسه بالصلاة والدعاء. كما أوعز إلى خادمه الأمين لوبوس الذي كان يزوره في سجنه بتوزيع مقتنياته على الفقراء والمساكين. وما هي سوى أيام معدودات حتى أرسل الإمبراطور جنده إليه من جديد فطعنوه بالحراب حتى مات. ويقال أن السبب المباشر لتنفيذ حكم الإعدام السريع هذا كان تغلّب الشاب المسيحي نسطر على لهاوش، رجل الإمبراطور، في حلبة المصارعة. فقد سرى أنه كان لديمتريوس ضلعاً في ذلك، فيما ظن الإمبراطور أن ما حصل كان بتأثير سحر هذا المدعو مسيحياً. ويقال إن خادم ديمتريوس، لوبّس، أخذ رداء معلمه وخاتمه من السجن بعدما غمسّه بدمه وإن الله أجرى بواسطتهما عجائب جمّة. وبقي كذلك إلى أن قبض عليه الجند هو أيضا وقطعوا هامته. أما رفات القدّيس فأخذها رجال أتقياء سراً ودفنوها. وقد أعطى الله علامة لقداسة شهيده أن طيباً أخذ يفيض من بقاياه ويشفي الكثيرين من أمراضهم، مما جعل الكنيسة تسميه بالمفيض الطيب. يذكر أن رائحة الطيب ما زالت تعبق بين الحين والحين من ضريحه إلى اليوم. وضريحه مودع في كنيسة (بازيليكا) القدّيس ديمتريوس في قلب مدينة تسالونيكي حيث يعتبر شفيع المدينة ومنقذها من الشدائد والضيقات. وهي لا زالت إلى اليوم تُقيم له احتفالات خاصة تشمل المدينة بأسرها كل عام وعلى مدى أسبوع كامل. يُذكر أن الإمبراطور يوستنيانوس (483-565 م) رغب، في زمانه، في نقل رفات القدّيس ديمتريوس إلى القسطنطينية فحضره صوت أبى عليه ذلك.

 

ألتثقيف الليتورجي المبسّط، سلسلة...
ألصلاة الســـــــــــــَّــحَرية.

يمكن إعتبار صلاة السحر أكثر الصلوات اليومية التصاقاً بالقداس الإلهي وأكثرها تهيئة له، لأنها تسبق القداس الإلهي مباشرة.

تبدأ صلاة السحر بتمجيد الثالوث القدوس، ثم تُقرأ ستة مزامير تُسَمّى مزامير الدينونة يقف فيها المصلي وكأنه أمام عرش الرب في ساعة الدينونة الرهيبة.
وفي أثناء ذلك يتلو الكاهن سراً (أي بصوت خافت) 12 افشين (صلاة) تزخر بالتماجيد الشكريّة إزاء رحمة الله ومحبّته وعنايته بنا، فهو الذي يصنع كلَّ شيءٍ لخير حياتنا، ويُرسِل معونته إلى الذين يلتمسونه، ويُصلّي الكاهن بإسم الحاضرين فيقول: "أيها السيد يا من قال: "ليشرق من الظلمة نور" وبدافع حنوِّه الخاص أراحنا بنوم الليل، وأنهضنا إلى تمجيد صلاحه، والتضرع إليه، إقبَلنا الآن أيضاً ساجدين لَكَ، وشاكرين إيّاك على قدر طاقتنا...".

بعد ذلك نُرتّل ممجدين حضور المسيح المُخَلِّص إلينا "الله الرب ظهر لنا، مباركٌ الآتي باسم الرب"، ثم نُرتّل طروبارية القيامة، ونمدح البتول التي منها ورد المسيح إلينا.
ثمّ نقرأ قطع نتأمّل بها في قيامة الرّب يسوع ونستعرض عظمة آلام الرّب الخلاصيّة التي جلبت لنا الفرح، ونُمَجّد غَلَبَتَهُ على الموت. بعد هذه القِطَع نُرَتِّل التبريكات الخاصة بالقيامة، "مبارك أنت يارب علمني حقوقك".
وهكذا يأتي إنجيل السحر الخاص بيوم الأحد ليُعلِن لنا قيامة الرب يسوع ومن ثم ظهوراته لتلاميذه بعد قيامته من بين الأموات.(يتميز إنجيل سَحَر الأحد أن الكاهن يقرؤه من داخل الهيكل واقفاً في الجِهة اليُمنى من المائدة في حين يِقِفُ الشمّاس في الجهة المقابلة يُذَكِّرنا بوقوف المَلاكَين عند قبر الرّب يسوع.
بعد إعلان القيامة هذا يَقرأ المتقدم قطعة من صلوات عيد الفصح:
"إذ قد رأينا قيامة المسيح فلنسجد للرّب القدوس يسوع البريء من الخطأ وحده، لصليبك أيها المسيح نسجد ولقيامتك المقدسة نُسَبِّح ونُمَجِّد، لأنَكَ أنتَ هو إلهنا وآخر سِواكَ لا نَعرِف وبإسمِكَ ندعو. هلمّوا يا مَعشَرَ المؤمنين نَسجُدُ لقيامَةِ المسيح المُقَدَّسَة. لأنه هوذا بالصليب أتى الفرح لكل العالم، فلنُبارِك الرّب في كل حين ونسبح قيامَتَهُ لأنَّه إذ احتَمَلَ الصَلبَ من أجلِنا أباد الموت بالموت".
وبعدها نصلي المزمور الخمسين مزمور التوبة : "ارحمني يا الله كعظيم رحمتك .." ويترافق معه خروج الكاهن بالإنجيل لكي يُقَبِّله المؤمنون ويتبرَّكوا منه.
بعد طلبة "خلص يارب شعبك" نقرأ "القنداق" وهو قطعة مديح أو تقريظ للعيد أو لصاحب العيد. القنداق إلى قطعة أو قطعتين تُظهِر مَعنَى العيد. بعد ذلك نُرَتِّلُ "الكاطافاسيات" (وهي قطع معينة خاصة بالأعياد السَيِّديَّة)، يعتلي الأسقف العرش عند ترتيلها في حين ينزل المرتلون عن كراسيهم الخشبية. أمّا قِطَع الكاطافاسيات تربط العهدين القديم والجديد، إنها تسابيح تستعرض لنا مَرَاحِم الله الغزيرة تجاه المؤمنين الذين يتّكلون عليه، إنها خبرة البشريّة مع أبيها السماوي من الخروج من عبودية مصر ولغاية الخروج من عبودية الموت الذي افتتحه تجسد الكلمة من العذراء مريم....
آمين


 

القديس الرسول لوقا الإنجيلي:

 

منذ القرن الثاني للميلاد والاعتقاد أن كاتب الإنجيل الثالث وسفر أعمال الرسل واحد وهو لوقا الطبيب (كولوسي 14:4) معاون بولس الرسول ورفيقه في عدد من أسفاره. يقول عنه التراث أنه من أنطاكية، وكتبنا الليتورجية تصفه بأنه "جمال الانطاكيين" (صلاة المساء)، وأنه رأى السيد في عمواس بعد قيامته وآكله، هو وكلاوبا، أحد السبعين، الوارد ذكره مفرداً في إنجيل لوقا (‪18:24‬). إذن هو أحد التلميذين اللذين دنا منهما السيّد في الطريق إلى عمواس وسار معهما. فإذا ما صحّ ذلك يكون إغفال ذكر اسم التلميذ الآخر، غير كلاوبا، مقصوداً، ربما من باب الخفر والاتضاع. إلى ذلك يذكر الكتّاب المتأخرون أنه كان رساماً وينسبون إليه أول أيقونة لوالدة الإله. أما لقاؤه ببولس الرسول فيبدو أنه كان في مدينة تراوس. وقد رافق الرسول المصطفى في قسم من رحلته التبشيرية الثانية وفي رحلته الثالثة. ويظهر، كما يذكر تقليد قديم، أنه أقام في فيليبي فترة من الزمن رافق خلالها تيطس في رحلات تبشيرية في المدينة والجوار. مكث لوقا الإنجيلي مع بولس الرسول في قيصرية فلسطين مدة عامين قضاها هذا الأخير مسجوناً. كذلك رافقه إلى روما وبقي بجانبه هناك أيضاً، في فترة سجنه. ثم بعد استشهاد رسول الأمم يظن انه انتقل إلى دالماتيا وغالباً مبشّراً بالإنجيل. هذا إذا ما أخذنا بشهادة القديس ابيفانيوس القبرصي (315-304 م). ‏وجّه القديس لوقا إنجيله وسفر أعمال الرسل إلى رجل اسمه ثاوفيلوس سبق له أن اقتبل الكلمة. وقد أراد لوقا أن يزوّد هذا الرجل الذي يصفه بـ "العزيز"، بالقول الصحيح عن البشارة، ربما لتمكينه من التمييز بين الشهادة الصحيحة والشهادة المزورة عن المسيح بعدما أخذت كتابات منحولة طريقها إلى التداول. ‏أما من هو ثاوفيلوس هذا فليس لدينا قول قاطع بشأنه. بعض المصادر يقول أنه كان رجلاً إيطالياً شريفاً وبعضها أنه كان حاكم اخائية. ‏أنى يكن الأمر، فإن أسلوب القدّيس لوقا وطريقته في نظم الأحداث وعرضها يشيران، في نظر العلماء والدارسين، إلى ثقافة يونانية راقية وعقل علمي، فهو أكثر الإنجيليين التصاقاً بالبشارة كتاريخ. إلى ذلك تعتبره صلواتنا الليتورجية "‏... خطيباً بليغاً للكنيسة الموقّرة..." (صلاة السحر). ‏أما مزايا إنجيله، فالصورة التي اهتمّ بإبرازها عن السيد هي أنه المخلّص الإلهي للعالم أجمع وطبيب النفوس والأجساد. ولوقا أكثر الإنجيليين ذكراً للرب يسوع مصلياً وفي شهادته حث على الصلاة المتواصلة. كما يظهر الرب يسوع في إنجيله عطوفاً على النساء والفقراء والأميين على نحو مميّز. ‏لا نعرف تماماً لا أين ولا متى رقد القدّيس لوقا. بعض المصادر يقول أنه بلغ الثمانين من العمر وأنه رقد في الإسكندرية، ومن هناك نقل إلى مدينة القسطنطينية في القرن الرابع، أيام الإمبراطور قسطنديوس (357‏م). إلى رفاته تعزى عجائب شفاء عديدة ويقال أن سائلاً كان يخرج من قبره ويشفي من يدهنون به من ذوي أمراض العيون.


 

f t g