في ذلك الزمان صعد يسوع إلى أورشليم ( يو 5 : 1 ): أنه بعد ما كان الرب يسـوع في قانا الجليل حيث شفى ابن خادم الملك من مرضــــه الميت ( يو 4 : 46) صعد إلى أورشليم بسبب اقتراب عيد اليهود. وقد قال البعض أن ذلك العيـد كان عيد العنصرة. وقال آخرون أنه عيد الفصح. وكان يسوع يحضر في الأعياد لان فيها كان يجتمع جمع غفير من الناس ولا سيما أهل الورع والتقوى ومحبّو الأعياد. فكان بتعليمه وباجتراح العجائب يقتاد كثيرين إلى الإيمان به. وعليه فقد صعد لأجل العيد إلى أورشليم. وكان في أورشليم عند باب الضان بركة يقال لها بالعبرانية بيت حسدا لها خمسة أروقة ( يو 5 : 1 ): قال أنه كان في أورشليم عند باب الضان بركة يقال لها بركة الضان أو البركة الغنمية . وقد دعيت بهذا الاسم لأن اليهود كانوا يأتون إليها بالأغنام المقرَّبة للذبائح وفيها يغسلون أحشاءها . وأما باب الضان الذي يذكره فمن الممكن أن يكون قد اخذ اسمه من بركة الضان ( نحميا 3 : 1 و 12: 39 ). وهذه البركة كان يقال لها في العبرانية بيت حسدا ومعناه بيت الإحسان والرحمة. وكان لهذه البركة أي حواليها خمسة أروقة. وفي هذه كان مضطجعا جمهور كثير من المرضى من عميان وعرج ويابسين يتوقعون تحريك الماء ( يو 5 : 3 ): وفي هذه الأروقة المحيطة بالبركة كانت مضطجعة جماهير كثيرة العدد من المرضى والعميان والعرج ويابسي الاعضاء أي المخلعين ومن المعذبين بأمراض أخرى متنوعة . فكان هؤلاء جميعهم مطروحين في الأروقة ينتظرون تحريك الماء الذي في البركة لكي يستشفوا من أمراضهم. لأن ملاكا كان ينزل أحيانا في البركة ويحرك الماء. فمن نزل أولا بعد حركة الماء كان يبرأ من إي مرض اعتراه (يو 5 : 4 ): يقول الإنجيلي أن الملاك كان ينزل أحيانا إلى البركة ويحرك الماء. ولكن متى كان ذلك؟ هل يا ترى كان مُعيَّنا ومعروفا أو غير معيَّن ولا يعرفه إلا الله تعالى وحده. هل كان في عيد العنصرة اليهودي أو في عيد الفصح أو في كل عيد : قال بعضهم أن الملاك كان ينزل يوم عيد العنصرة . غير انه من كلام المخلع يظهر أن وقت نزول الملاك كان غير معيَّن . لأنه قال للمخلص يا سيدي ليس لي إنسان لكي عندما يتحرك الماء يلقيني في البركة ، فلو كان الوقت معروفا ومعيَّنا لكان المخلع في هذا الزمان الطويل جدا اعني في مدة ثماني وثلاثين سنة قد وجد إنسانا يشفق عليه ويلقيه في البركة. ولكن عدم تعيين الوقت كان سببًا لحيرته وارتباكه ارتباكا شديدا. وقد كان الملاك ينزل إلى البركة لئلا يظن اليهود أن تلك المياه فيها قوة لشفاء الأمراض طبيعيًّا، بل يؤمنوا بأن نعمة الله كانت تشفي. وكان يحرك الماء لكي يعلم الحاضرون بنزوله ويلقوا المرضى في البركة . وإن قيل لماذا كلما كان ينزل الملاك إلى البركة لم يكن يُشفَى إلا واحد فقط. مع انه معلوم أن قوة الله غير محدودة ونعمته كلية الغنى ورحمته لا نهاية لها. فلماذا لم يكن يبرأ الجميع بل واحد فقط . إن ذلك والحق يقال لا يُفسَّر إلا إذا رفعنا عقولنا إلى مكنونات معاني هذه المسألة ومدلولاتها الروحية . لأنه، أمّا البركة التي عند باب الضان فتدلّ على البركة الروحية التي في الكنيسة اعني بها جرن المعمودية المقدسة. وأما الخراف التي كانت تغسل وتطهر فهي تدل على المعمَّدين في البركة الروحية لأجل تطهيرهم من خطاياهم. ونزول الملاك إلى البركة يدل على حلول نعمة الروح القدس في ماء المعمودية, وحركة الماء الذي فيها تدل على انسحاق التنانين غير المنظورة الصائر بقوة الروح القدس. وكما أن ماء البركة الغنمية لم يكن هو الشافي للأمراض الجسدية بل القوة الإلهية، كذلك في المعمودية المقدسة ليس الماء البسيط بل نعمة الله التي تحل فيه تشفي خطايا النفس. وبواسطة حضور الملاك كان ماء البركة يحصل على قوة الإبراء وبواسطة حلول الروح القدس يحصل ماء المعمودية على قوة التطهير. وفي البركة الغنمية كان الملاك خادما لشفاء الأجساد . وفي البركة الروحية يمنح سيد البرايا كلها التّبنّي الروحاني . وقد كانت البركة الغنمية لا تُشفي إلا واحدا فقط لان الناموس لم يُعطَ إلا لأمة واحدة فقط أي لجنس اليهود وحده. وأما جرن المعمودية فيخلص جماهير لا تحصى. لأن الإنجيل الشريف قد أرسل إلى كل العالم إذ قال المخلص لتلاميذه ( اذهبوا إلى العالم اجمع , اكرزوا بالإنجيل لكل الخليقة . فمن آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن ( مر 16: 15 و 16 ). وكان هناك إنسان به مرض منذ ثماني وثلثين سنة ( يو 5 : 55 ): إن البشير لم يذكر من كان هذا الإنسان ومِمَّن . اعني أنه لم يذكر شيئا لا عن وطنه ولا عن حالته المادية. غير انه يظهر انه كان فقيرا لا يملك شيئا من حطام الدنيا وربما كان غريبا أيضا. لأنه لم يكن له خادم ولا نسيب ولا صديق يلقيه في البركة. وأما مدة زمان مرضه فقد ذكرها البشير بتدقيق قائلا انه كان معذبا بالمرض مدة ثمان وثلثين سنة. وذلك لكي ندرك أهمية داء المريض وعظم قوة الطبيب .
⁜ هذا رآه يسوع مضطجعا وعلم انه له زمان كثيرا فقال له أتريد أن تبرأ ( يو 5 : 6 ): يا له من تحنن حقيقي ويا لها من رحمة إلهية ومحبة للبشر لا يحصرها وصف. فإن المخلع فضلا عن انه لم يتوسل من اجل صحته ولا كلمة التماس بسيطة لم يوجه إلى يسوع . على أن المخلص تمجد اسمه لما رأى هذا الإنسان ملقى على السرير وعرف كاله مرضه المزمن من عليه بالصحة بداهة. ولكن ما هو يا ترى مقصد الرب يسوع بسؤاله للمخلع قائلا " أتريد أن تبرأ " أيسأل المريض هل يريد أن يتعافى فضلا عن كون يسوع المسيح كاله فاحص القلوب كان بلا محالة يزكن بكل تدقيق إرادة المخلع فلماذا سأله فنقول انه له المجد من مرضى آخرين قد طلب إيمانا قائلا لهم أتؤمنون أنني اقدر أن افعل هذا ( مت 9 : 28 ) وأما من المخلع فطلب إرادة إذ قال له أتريد أن تبرأ . وذلك لأن أولئك لم يعترهم المرض بسبب الخطايا كما قال عز وجل عن الأعمى " لا هذا أخطأ ولا أبواه " ( يو 9 : 3 ) ومن ثم فإيمانهم بالمسيح قد كان كافيا لشفائهم . وأما هذا المخلع فقد كان يتعذب بالمرض لأجل خطاياه ومن هذا القبيل فال له المخلص " لا تعد تخطئ ( يو 5 : 14 ) وعليه فقد كان من الضروري أن تظهر رغبته ليحصل على الشفاء وبهذا السؤال قد أوضح لنا الرب أنه لأجل الحصول على مغفرة الخطايا لا بد من مساعدة إرادة الخاطئ . واعلم أيها القارئ أن سؤال الرب قد استجلب جواب المخلع وجواب المخلع اظهر فقره وصبره أيضا . كما أنه قد اظهر أيضا خصال ذلك الشعب اليهودي العارية عن شعائر الرقة والإنسانية.
⁜ أجابه المريض يا سيد ليس لي إنسان ليلقيني في البركة متى تحرك الماء بل بينما أنا آت ينزل قدامي آخر. ( يوحنا 5 : 7 ): إنّ المخلع لم يكن يشكو من بلواه ولا كان يتأوه متكدرا من أوجاع مرضه كما يفعل صغيرو النفس في وقت مرضهم بل بدعة وهدو بال أجاب السيد قائلا : يا سيد ليس لي إنسان يلقيني في البركة متى تحرك الماء وفيما أكون أنا آتيا يسبقني آخر وينزل أولا ومن هنا يتضح أن هذا المخلع لم يكن عديم الحركة الكلية لأنه يقول بينما أكون أنا آتيا فربما أنه كان يمشي بصعوبة وببطء ولذلك كان المرضى الآخرون يسبقونه دائما . إما ماشين أو محمولين من إناس غيرهم ومما يوجب الاستغراب والتعجب أنه في مكان كهذا يجتمع فيه على الدوام جمع غفير من الناس وفي مدة ثمان وثلثين سنة لم يوجد قط إنسان ذو حمية يساعد هذا المخلع . فهذا مما يظهر قساوة اليهود الذين كانوا في ذلك الزمان وقلة إنسانيتهم على أنه يوضح أيضا جليا أن الله تعالى يؤدب الخطاة تأديبا مريعا لأن المخلع قد قضى مدة ثمان وثلثين سنة وهو يتعذب لأجل خطاياه ولما انتهت مدة عقابه
⁜ قال له يسوع قم احمل سريرك وامش فحالا برئ الإنسان وحمل سريره ومشى وكان في ذلك اليوم سبت ( يوحنا 5 : 8 و 9 ): أَمْرُ المسيح المخلع على هذا المنوال هو بالحقيقة أمر الهي ويمثل سلطانه الفائق على العقل البشري ويبرهن القوة غير المحدودة التي لربنا يسوع المسيح الإله المتأنس فإنه لا طلب ولا صلى إلى الله أبيه كما فعل لما أقام لعازر لئلا يظن الحاضرون أنه إنسان على بسيط الحال وكأحد الأنبياء الذين اجترحوا عجائب . بل اصدر أمره الإلهي كإله وسيد لجميع الكائنات قائلا: قم، فحالا رجعت إلى الأعصاب قوة مرونتها الطبيعية ، وروح الحياة الذي يمتاز عن الدم بحسب حدود الطبيعة جرى بلا مانع في كل الأعضاء. وعدم النظام الذي كان سائدا في جهاز الجسم قد عُوِّضَ عنه بما يوافق حالة الجسم وترتيبه الطبيعي. والإله نفسه الذي قال " ليكن النور. ليكن الجلد ليجتمع الماء " ( تك 1 : 5 و 6 و 9 ) فكان هكذا. هو نفسه أيضا قال للمخلع قم . في زمان التكوين كلمة " ليكن " قد أخرجت حالا جميع الكائنات من العدم إلى الوجود والآن كلمة " قم " قد قوَّمَتْ وأصلَحَتْ إلى الفور عدم النظام والتشويش الذين كان في الجسم المخلعِ. ولزيادة تحقيق هذه الاعجوبه الباهرة قد حمل المخلع سريره على منكبيه ومشى. وقد اجترح الرب هذه العجيبة في يوم السبت ليظهر أنه رب السبت ويُبطِل تعصب اليهود المبني على الأوهام ويُبيِّن أن ملاحظاتهم بخصوص السبت هي منافية لأحكام العقل السليم. ورداءة اليهود وخبثهم فإنهم إذ لم يقدروا أن يشجبوا الأعجوبة سكتوا عنها غير أنهم وبخوا المخلع.
⁜ فقال اليهود للذي شفي أنه السبت . لا يحل لك أن تحمــل سريرك ( يو 5 : 10 ): نعم إن الناموس الموسوي يقـول " وأما اليوم السابع فسبت للرب إلهك لا تعمل فيه أدنى عمل " ( خر 20 : 10 ) وأرميا النبي يقول " لا تحملوا أحمالا يوم السبت " ( ار 17 : 21 ) . ولكن لو لم يكن الحسد قد أَظلم عقولَهم وبصائرَهم لكانوا تأمّلوا في عظم تلك المعجزة الباهرة وأهميتها ولدى تأملهم في ذلك اقتنعوا أنه بكلمة واحدة فقط أي " قم " لا يقدر احدٌ آخر مطلقا إلا الله وحده أن يَشُدَّ معا الأعضاءَ المخلعة مدة ثمانٍ وثلاثين سنة . وإن ذاك الذي أخضع قوى المخلع الجسدية لنواميس الطبيعة لكي يشفيه من تخلعه، له السلطان أنْ يَحِلَّ حِفْظَ السبت بحسب مطلق إرادته وذلك لأجل شفاء الإنسان الذي من اجله قد صار السبت . فعلى هذا المنوال قد عَمِيَت بصائرُ اليهود فقالوا للمخلع لا يحل لك أن تحمل سريرك.
واعلم أيها الأخ المسيحي أننا نحن أيضا في أكثر الأوقات نشابه اليهود في هذه الحيثية فنشجب ما يصوره لنا حسد قلوبنا من نقائص وخطايا. وأما الفضائل والأعمال الصالحة فنتعامى عنها ولا نلهج بذكرها مطلقا أما المخلع فأجابهم بجراءة وحرية الضمير.
⁜ أجابهم أن الذي أبرأني هو قال أحمل سريرك وامش ( يو5 : 11 ): كأنه يقول لهم إنني لم أتجرأ على ذلك من نفسي بل طبيبي وهو قال لي احمل سريرك وامش . و لا يخفى أن هذه الأقوال قد كانت توبيخا شديدا لليهود. فكأنه يقول لهم أن ذاك الذي له سلطان عظيم جدا حتى أنه بكلمة واحدة فقط أَبرأني من مرضي المزمن العضال ،له سلطان أن يحل حفظ السبت أيضا، وأنّ هذا الإنسان الإلهي الكلي السلطة لم يكن ليأمرني أن أحمل سريري ولو عرف أن هذا العمل هو خطيئة.
⁜ فسألوه من هـو الإنسـان الذي قال لك احمـل سريرك وامشِ ( يو5: 12 ): يا لهذا المكر اليهودي! المخلع أجاب اليهود قائلا أن طبيبي هو أمرني بذلك، أما هم فأغفلوا ذكر مسألة الشفاء ولا زالوا يكررون مسألة حمل السرير. فلم يقولوا له من هو الذي شفاك أو من هو طبيبك. بل من هو الإنسان الذي قال لك احمل سريرك وامشِ. فالعجيبة العظيمة المستغربة طرحوها في زوايا الإهمال وكتموها. وما ظنوه مخالفة للشريعة أشهروه على رؤوس الملأ وطنطنوا به . وذلك كله ليخفوا الأعجوبة الباهرة، ويشهروا ما زعموا انه مخالف للشريعة.
⁜ أما الذي شفي لم يكن يعلم من هو. لأن يسوع اعتزل إذ كان في الموضع جمع ( يو 5 : 13 ): إن المخلع الذي نال الشفاء لم يكن يعلم من هو طبيبه . لأن يسوع المسيح بعد اجتراح العجيبة حالاً اعتزل أي انصرف من هناك وتخلّص من جمهور الناس الذي كان هناك . وقد فعل مخلصنا الصالح هكذا لأسباب كثيرة: أولا ليهرب من مدح الناس له . ثانيا: لكي بسبب غيابه عن المكان تكون شهادة المخلع مستحقة التصديق وعارية عن كل شبهة. ثالثا: لئلا يكون حضوره سببًا لإضرام نار حسدٍ أشَدّ في قلوب اليهود، لأن مشاهدة المحسود تحرق قلب الحاسد. رابعا: لكي يبيّن لنا مثال الإحسان الحقيقي الكامل . فإنّ مخلصنا له المجد يعلمنا بلسان حال هذا المثل قائلا أيها الناس لا تنتظروا التضرع والاسترحام ممن ترونه محتاجا إلى مساعدتكم ، بل انتم من نفسكم وبحسن اختباركم أحسنوا إلى من تقدرون أن تحسنوا إليهم كما رحمت أنا المخلع . ولا تطلبوا ممن تحسنون إليهم مكافأة وتشكرات بل اهربوا من محبة المجد ومن اقتبال الشكر والمكافأة كما اعتزلت أنا عندما شفيت المخلع ولبثت غير معروف . فحينئذ يكافيكم عن الإحسان الإله العادل الذي يثيب كل إنسان عن أعماله الصالحة. أسمعوا أيضا الإحسان الآخر المضاهي للأول الذي عمله سيدنا يسوع المسيح.
⁜ بعد ذلك وجده يسوع في الهيكل وقال له: ها قد صرت معافى فلا تعد تخطي لئلا يصير لك اشر ( يو 5 : 14 ): بعد ذلك أي بعد حادثة الشفاء وحمل السرير وسؤال اليهود وجواب المخلع وجده يسوع في الهيكل وبواسطة نصيحته الإلهية قد أحسن إليه ثانية وذلك بقوله لا تعد تخطيء أي في المستقبل ابتعد عن الخطيئة . فإن الله تعالى يطلب منا أن نبتعد عن الخطيئة . لأن بعد الابتعاد عنها خلاص نفوسنا . وهذا يعتبر كمكافأة لإحساناته العميمة. فيا لعظم محبة الله فان البشر يطلبون مكافأة عن الإحسان ورب المجد عز وجل بدلا من المكافأة يطلب منا أن نخلص نفوسنا. وقد قال السيد للمخلع لا تعد تخطيء ثم أردف ذلك بالتهديد قائلا لئلا يصير لك اشر . فكأنه يقول له انظر انك قد شفيت من مرضك فلا تعد تخطيء أيضا لئلا تؤدب بأكثر صرامة . ومن هنا نتعلم أن الخطيئة تنتج الأمراض وأنه إذ كان الله تعالى لأجل غزارة تحننه يشفينا من أمراضنا ونحن بعد أن نحصل على الشفاء نعود ثانية إلى الخطيئة، فإنه يؤدبنا بأمراض أثقل من الأولى .
⁜ فمضى وأخبر اليهود أن يسوع هو الذي أبرأه ( يو 5 : 15 ): انظر تعقل المخلع وفطنته فإنه أتى إلى اليهود ولم يقل لهم شيئا البتة بخصوص مسألة حمل السرير التي حصلت لهم كحجر عثرة . بل اظهر لهم فقط اسم الطبيب الذي ابرأه قائلا أن طبيبي هو يسوع . نعم يسوع هو الذي شفاني من مرضي العضال وأبطل تخلّعي المزمن وجعلني صحيحًا ومعافى.
✥ أحد المخلّع
✥ عظة حول "أحد المخلّع" للقديس غريغوريوس بالاماس
إنّ الذي يستسلم للملذات هو مفلوج نفسياً قابع على سرير محبة اللذة، معتقد بأنه هكذا يكون في راحة جسدية. لكن عند اقتناعه بالنصائح الإنجيلية وعند اعترافه يظفر على خطاياه، وهكذا يداوي شلل النفس. عندها يُحمَل من قِبَل أربعة، على مثال المخلّع: دينونته الخاصة لنفسه، اعترافه بخطاياه السابقة، وعده بالابتعاد في المستقبل عن كل شر، وابتهاله إلى الله الرحيم. ولكن هذه الأربعة لا تستطيع ان تقرّبنا إلى الله إن لم ننبش السقف مزيلين القرميد والتراب والمواد الأخرى. السقف بالنسبة لنا هو القسم العاقل من النفس لأنّه أسمى ما يوجد فيها. هذا القسم فيه مواد كثيرة تغطّيه، وله صلةٌ وثيقة بالأرضيّات وبالأهواء المختلفة. عندما تنكشف هذه المواد وتزول عن طريق العناصر الأربعة المذكورة أعلاه، عندها نستطيع بالفعل أن نتوجّه إلى الربّ أي أن نتواضع في الحقيقة، أن نسجد ونقترب إلى الرب ونطلب منه الحصول على الشفاء. لكن متى تحصل مثل أعمال التوبة هذه؟ عندما جاء يسوع إلى مدينته أي عندما أتى إلى العالم كإنسان. والعالم هذا هو خاصته لأنّه من إبداعه كما يقول الإنجيلي يوحنا: "إلى خاصته أتى وخاصته لم تقبله. وأمّا كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه" (يوحنا 11:1-12). هكذا عندما يسجد الذهن الذي عانى الشلل بإيمان يسمع للحال الربّ يدعوه "يا بنيّ"، ويتقبّل منه الغفران والشفاء ليس فقط هذا، بل أيضاً يحصل على القدرة التي تجعله ينهض ويحمل سريره عل كتفه، السرير الذي كان مستلقياً عليه. أعني بالسرير الجسد المادي المرتبط به والذي به يتمّم الذهن الخاضع للشهوات الجسدية أعمال الخطيئة. لكن بعد الشفاء يسود الذهن على الجسد ويرشده، فيصبح الجسد خاضعاً له. ويظهر الذهن عن طريق الجسد ثمار التوبة وأعماله حتى أن الشهود على كل ذلك يمجّدون الله عندما يرون اليوم إنجيلياً كان بالأمس عشاراً، رسولاً كان مضطهداً، لاهوتياً كان لصاً، ابن الآب السماوي مَن كان بالأمس يعيش ويتصرّف مع الخنازير. فتراه إن شئتَ يحقق مصاعد في قلبه ويرتقي من مجد إلى مجد، ويتقدّم كل يوم نحو الأفضل. لذلك قال الرب لتلاميذه: "فليضئ نوركم هكذا قدّام الناس لكي يروا أعمالكم الصالحة ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات" (متى 16:5). لا يقول الرب هذا لتلاميذه لكي يظهروا أنفسهم بل لكي يتصرّفوا بطريقة لائقة مرضية لله. كما أن النور بدون جهد يجذب أعين الناس كذلك السيرة الحسنة المرضية لله تجذب إليها العينين مع الذهن أيضاً. وكما أنه بالنسبة لنور الشمس لا نمتدح الهواء الذي يشترك في ضياء النور بل الشمس نفسها التي تعطي ضوءها (وإن كنّا نمتدح الهواء فكم بالأحرى يجب علينا أن نمتدح الشمس؟)، كذلك الشيء نفسه يحصل مع الذي، عن طريق أعمال الفضيلة، يُظهر لمعان شمس العدل. أي أنّ هذا الإنسان يرفع ذهن المشاهدين إلى مجد الآب السماوي، مجد شمس العدل، مجد المسيح. عندما أكون معكم في الكنيسة أمام الله يجول نظري فأرى أولئك الذين بخشوع وتقوى يرسلون التسابيح والطلبات إلى الله، وأرى مَن يقف صامتاً مصغياً بإمعان إلى القداس الإلهي، فأمتلئ للحال حماسة وتمتلئ نفسي امتناناً وشكراً فأمجّد المسيح الذي بدونه لا يستطيع أحد أن يفعل شيئاً صالحاً وعن طريقه يفعل الناس كلّ شيء صالح. لكن ماذا نقول عن أولئك الذين في الكنيسة لا يصمتون ولا يشتركون في التسابيح بل يتكلّمون فيما بينهم ويخلطون بين العبادة العقلية وأحاديثهم، فلا يسمعون الأقوال الشريفة الملهَمة من الله ويمنعون في الوقت نفسه أولئك الذين يريدون أن يسمعوها؟ يقول لهم إيليا النبي: "إلى متى أنتم تعرجون بين الجانبَين؟" (3ملوك 21:18). تريدون في الوقت نفسه أن تتبعوا الصلاة وأن تتباحثوا في مواضيع باطلة دنيوية، فلا تنجزون أياً من الأمرين بل تهدمونهما كليهما وتصبحون عثرة للآخرين. ترى متى تتخلّون عن هذه الأقوال الباطلة التي بها تحوّلون بيت الصلاة إلى بيت تجارة تسود فيه شتّى الأهواء؟ فلنجعل مَن يرانا يمجّد الله عالِمين أنّ هذا البيت يحوي في داخله المسيح الذي يشفي النفسَ المخلَعة بالخطايا الكثيرة ويحثنا على أن نوجّه حواسنا الجسدية ومعقولنا نحوه، بذهن روحي محبّ لله دون أن تسيطر علينا شهواتنا الجسدية. هكذا نتوجّه إلى بيتنا الحقيقي، إلى وطننا السماوي حيث المسيح ميراثنا ونصيبنا الذي يليق به كل مجد وقوة وإكرام وسجود مع أبيه الذي لا بدء له وروحه الكلي قدسه الصالح والصانع الحياة الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين، آمين.